TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
إطفاء مديونية الجامعات ؛أضغاث أحلام
08/09/2018 - 9:45am

طلبة نيوز-
أد. سيف الدين الفقراء/ جامعة مؤتة
وعدت الحكومة بالسّعي إلى إنهاء مديونية الجامعات الأردنيّة في السنوات القادمة, وهذا حلم وطني يراود كلّ أبناء الوطن, فرسالة الجامعات ودورها في خدمة الوطن تحتاج إلى موازنات ماليّة تمكّن الجامعات من السّير قدماً في تحقيق غاياتها في التّعليم والبحث وخدمة المجتمع, والإسهام في التقدم المعرفيّ والتقنيّ, ليأخذ الوطن دوره الحضاريّ في الإسهام في بناء المُنجز الحضاري الكونيّ, غير أنّ الواقع الاقتصادي للجامعات باستثناء جامعتي العلوم والتكنولوجيا, والهاشميّة, ينذر بشؤم ومستقبل قاتم, وتطلعات الحكومة إلى هذا الملف يذكرنا بنكتة الخروج من عنق الزجاجة التي أطقلتها الحكومة السابقة التي تمّ تدوير وزرائها في الحكومة الحاليّة.
إنّ التحدّي في هذا الملف هو الأكبر على الإطلاق في تحديات التعليم العالي, ويقوم الرؤساء ووزراء التعليم العالي بترحيله إلى من يأتي بعدهم, ولا يجرؤ أحد على فتحه, فالجامعات استنزفت المواطن في الرسوم وارتفاعها, وليس هناك مجال لرفع جديد في المستقبل القريب لهذه الرسوم؛ في ظلّ الوضع الاقتصادي البالغ الصعوبة, ونهج الجباية المتزايدة, ويزيد الأمر صعوبة أنّ استثمارات الجامعات متواضعة, والدعم الحكومي تلاشى أو كاد, والرسوم التي تستوفيها الدولة باسم الجامعات تذهب إلى موازنة الدولة وليس للجامعات فيها نصيب, والأخطر أنّ التحديات الاقتصادية المخفيّة في الجامعات لا يُظهرها رؤساء الجامعات, ولا وزارة التعليم العالي من باب مقولة: نحن بخير يا صاحب جلالة ووضعنا مبشّر, والحقيقة المرة أنّ مديونية الجامعات كانت في عام 2015 (140) مليونا,ً وأحسب اليوم أنّها شارفت على (160) مليوناً, والأنكى أنّ هناك ديناً مخفيّأً يخفيه كلّ الرؤساء؛ وهو التزام الجامعات بمكافآت نهاية الخدمة ذات الأرقام الخيالية للعاملين فيها, فلو أضيف هذا الدين إلى مديونية الجامعات لبلغ إجمالي المديونية (300) مليون دينار على الأقل, فلو افترضنا أنّه خلال السنوات الخمس القادمة ستنتهي خدمات (500) موظف وعضو هيئة تدريس في جامعاتنا, فإنّ كلفة مكافآتهم ستتجاوز(35) مليوناً في أدنى تقدير, والحقيقة أنّ المبلغ المطلوب أكبر من هذا بكثير.
فليس من سبيل لإنهاء المديونيةّ سوى البدء بإصلاح نظام المكافأة جذرياً, وهو ما يسكت عنه العاملون في الجامعات لمنافع شخصيّة, ويضاف إلى ذلك ضرورة إلغاء أو إصلاح قانون التقاعد( الاعتلال والجسيم) في الرسوم الجامعية, الذي يخسّر الجامعات عشرات الملايين سنوياً, ويذهب قسم كبير منه إلى غير مستحقيه, فأحد المسئولين الذي شغل منصب رئيس محكمة عالية المستوى درست ابنته في برنامج الدراسات العليا في جامعة أردنية وهي متزوجة وغير خاضعة للقانون, وبإعفاء كامل من الرسوم بموجب هذا القانون وبوثائق يعلم الله بها, وما أكثر الحالات المشابهة! وأصبح هذا القانون منفذاً إلى مكرهة أكاديمية يعرفها الرؤساء وأولو الأمر في التعليم العالي, ويسكتون عنها. وثمة قضية أكثر خطورة ستحول دون مجرد التفكير في إنهاء المديونية, وهي رسوم أبناء العاملين في الجامعات والتعليم العالي وإعفاءاتهم, فأنا أضع سؤالاً أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تقدم رقماً إجمالياً لقيمة الإعفاءات في الرسوم لأبناء العاملين في الجامعات خلال السنوات الخمس الماضية فقط؛ ليكتشف الناس أنّها ستكون في حجم المديونية, ولو قدرنا أنّ عدد أبناء العاملين في جميع الجامعات الذين يشملهم الإعفاء ب(5000) طالب فإنّ كلفتهم السنوية بحدود خمسة ملايين أو أكثر . وتكمن الخطورة في هذا البند والبند المتعلق بمكافأة نهاية الخدمة وإعفاءات الجسيم أنّها متزايدة بتزايد العاملين وتزايد المستفيدين من الإعفاءات؛ وهذا يعني أنّ المديونية التي يودّ إطفاءها معالي الوزير ستشتعل ويصل أوارها إلى لقمة أبناء الوطن.
إنّ هذا الواقع المؤلم للجامعات حقائق دامغة, ولو نُشرت الأرقام الحقيقيّة لاكتشف الناس كم أغفلت الدولة دعم الجامعات وإصلاحها! وهذا يعني أنّنا نتغنّى بإستراتيجية وطنيّة للتعليم العالي جوفاء خاويّة, لم تلامس مشاكل التعليم العالي وتحدياته, فلا بدّ من جراحة مؤلمة لإصلاح مصادر التمويل وأبواب النفقات, ولا بأس من نظرة شموليّة توزّع أعباء الجامعات الماليّة على المواطن والحكومة, بضبط الرسوم وتوحيدها بموضوعيّة وعدالة, وإلغاء الجسيم, وإعادة النظر في الإعفاءات, ومقابل ذلك تفرض الدولة مبلغاَ على الخريجين الذين يعملون من أبناء الوطن لدعم جامعاتهم الوطنية التي تخرجوا منها؛ ولو كان المبلغ ديناراً شهرياً, وتوزّع الدولة الرسوم التي تتقاضاها باسم الجامعات على الجامعات المستحقة لها؛ إذا كنّا نطمح فعلاً إلى إطفاء المديونيّة, وإذا خفضت الرسوم على الطلبة, فلا بأس من فرض دينار شهرياً على كلّ من يتقاضى راتباً أو تقاعداً خاضعاً للضريبة من أبناء الوطن مقابل ذلك, يكون موجّهاً لدعم الجامعات وتحسين مواردها, وليس هناك مانع من توجيه جزء من أرباح الشركات والبنوك لدعم الجامعات ما دام أنّ هذه الأرباح تستوفى من المواطن في الأصل, وعلينا عقد مؤتمر وطني, وبناء حوار صريح وجاد ومدروس ومعزّز بأرقام لهذه الغاية, وبخلاف ذلك ستكون تطلعاتنا وآمالنا أضغاث أحلام.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)