
د. زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية
عندما تبدأ جامعة ما رحلة التحول الرقمي، يكون السؤال الأول غالبًا: ما المبادرات التي لدينا؟ منصة تعليمية هنا، نظام إلكتروني هناك، تدريب لأعضاء هيئة التدريس على الذكاء الاصطناعي، أتمتة لبعض الإجراءات، ومشروعات متفرقة في الكليات والمراكز المختلفة. وكل ذلك مهم، لكن السؤال الأهم هو: هل نريد جامعة تستخدم التكنولوجيا بصورة أفضل، أم جامعة تعيد التفكير في الطريقة التي تعمل وتعلّم وتبحث بها؟
قد ننجح في رقمنة الجامعة دون أن ننجح في تغييرها.
فيمكن أن ننقل عشرات الإجراءات من الورق إلى الشاشة، ونستخدم أحدث المنصات، وندرب مئات الأكاديميين على أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم نكتشف بعد سنوات أن الجامعة أصبحت أكثر رقمية، لكنها لم تصبح بالضرورة أكثر مرونة أو كفاءة أو قدرة على الاستجابة للمستقبل.
المشكلة أن كثيرًا من أنظمة التعليم العالي صُممت في زمن مختلف. كانت المعلومة نادرة، والجامعة بوابتها الأساسية، والتخصصات أكثر استقرارًا، وسوق العمل أبطأ تغيرًا، والطالب يدخل الجامعة في بداية العشرينيات ويغادرها بعد سنوات حاملاً شهادة يمكن أن ترافقه طوال جزء كبير من حياته المهنية.
أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة متاحة في كل مكان تقريبًا، وتتغير المهارات المطلوبة بسرعة، ويعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة المهن، بينما تتسع مساحة التعلم المرن، والتعليم المستمر، والشهادات القصيرة، والمسارات المهنية المتعددة.
لهذا فإن التحدي الذي تواجهه الجامعات ليس تقنيًا فقط، بل بنيوي. ونحن لا نحتاج فقط إلى تحسين الجامعة القائمة، بل إلى إعادة التفكير في بعض مكونات نموذجها نفسه.
يمكن النظر إلى هذا التحول من خلال ثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الأول هو التحسين التشغيلي. وهنا توجد فرص كبيرة وسريعة الأثر. فالجامعات مليئة بإجراءات تراكمت عبر السنوات، بعضها ضروري للحوكمة وضمان الجودة، وبعضها أصبح أطول من العمل الذي صُمم لتنظيمه. ويمكن للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أن يساعدا في تقليل الوقت اللازم لمعالجة الطلبات، وتحسين الوصول إلى المعلومات، وأتمتة الأعمال المتكررة، ودعم اتخاذ القرار بالبيانات، وربط الأنظمة المختلفة، وتقديم خدمات أسرع وأكثر وضوحًا للطلبة وأعضاء هيئة التدريس والإدارات. لكن إذا توقفنا عند هذا المستوى، فإننا نكون قد جعلنا الجامعة التقليدية تعمل بصورة أسرع، لا أكثر.
المستوى الثاني هو التحول الأكاديمي. وهنا تصبح الأسئلة أعمق: ماذا ينبغي أن يتعلم الطالب عندما تستطيع الآلة استرجاع كثير من المعرفة وإنتاجها خلال ثوان؟ كيف ينبغي أن نقيمه؟ وما الذي يبقى من قيمة بعض أشكال الامتحانات التقليدية إذا كان النجاح فيها يعتمد أساسًا على استعادة المعلومات؟ وما المهارات التي يجب أن تصبح جزءًا أصيلًا من كل تخصص؟ التوجهات الحديثة في التعليم العالي، بما فيها الأطر المقترحة لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي، تتجه إلى إعادة تصميم التدريس والتقييم، وتعزيز التعلم القائم على المشاريع، وتنمية التفكير النقدي، والاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، بدل الاكتفاء بإضافة أدوات رقمية إلى نموذج تدريسي قديم. وهنا يتغير دور عضو هيئة التدريس تدريجيًا من ناقل للمحتوى إلى مصمم للتعلم، ويتغير دور الطالب من متلق للمعلومة إلى متعلم قادر على التحليل والسؤال والتجريب والعمل مع الآخرين واستخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازل له عن التفكير.
أما المستوى الثالث، وهو الأصعب، فهو التحول الهيكلي. وهنا يجب أن نسأل: هل ما زالت المحفظة الأكاديمية للجامعة مناسبة للعالم الذي يتشكل؟ هل يجب أن تبقى الجامعة معتمدة بالدرجة نفسها على برامج البكالوريوس التقليدية؟ هل كل برنامج قائم يجب أن يستمر فقط لأنه موجود منذ سنوات؟ وهل نجاح الجامعة يقاس بعدد الطلبة الملتحقين فقط، أم بقيمة ما تقدمه لهم وللاقتصاد والمجتمع؟
في الأردن، تتغير مدخلات الجامعة نفسها. فنظام الثانوية الجديد ومساراته الأكثر تخصصًا سيجعلان أهلية الطالب لبعض التخصصات تتحدد في مرحلة أبكر من السابق، وهذا يعني أن حجم الفئة المؤهلة لبعض البرامج، وخاصة الهندسية والعلمية، لن يبقى كما كان. وهنا تصبح الجامعة مطالبة بأن تتعامل مع تغير حقيقي في قاعدة الطلبة، لا مع تذبذب مؤقت في أعدادهم.
عندها يظهر ما يمكن تسميته بالخيار الزائف: إما المحافظة على أعداد القبول تحت ضغط تراجع الطلب، بما قد يؤثر في النوعية، أو المحافظة على المعايير مع انخفاض أعداد الطلبة والإيرادات. لكن المشكلة ليست في اختيار أحد الطريقين، بل في أن النموذج الذي أوصلنا إلى هذا الخيار يحتاج إلى مراجعة.
وحين تعتمد الجامعة بصورة شبه كاملة على الرسوم الدراسية، يصبح أي تغير في أعداد الطلبة تهديدًا للنموذج كله، لا لموازنة برنامج بعينه.
لذلك قد تحتاج الجامعة المستقبلية إلى محفظة أكثر تنوعًا: برامج أكاديمية قوية ومتمايزة، شهادات مصغرة، تعليم تنفيذي ومهني، شهادات مرتبطة بالصناعة، مسارات للتعلم مدى الحياة، وبرامج مرنة أو هجينة. وليس الهدف استبدال الدرجة الجامعية، بل إنهاء احتكارها لكل أشكال التعلم الجامعي.
ويزداد هذا التحول أهمية عندما نربطه بسوق العمل. فالدراسات والسياسات الحديثة في الأردن والعالم تؤكد الحاجة إلى شراكات أعمق بين الجامعات والقطاع الخاص، وبرامج أكثر تطبيقية، ومسارات تجمع المعرفة النظرية بالتدريب العملي، ومراجعة مستمرة للمهارات المطلوبة.
لكن إعادة التفكير في الجامعة لا تكتمل دون البحث العلمي والابتكار. فالجامعة ليست مؤسسة تدريب وظيفي، ولا ينبغي أن تتحول إلى ذلك. قوتها تأتي من اجتماع التعليم والبحث وإنتاج المعرفة وخدمة المجتمع. والبحث الأكثر تأثيرًا في المستقبل سيكون في كثير من الحالات بحثًا عابرًا للتخصصات، مرتبطًا بمشكلات حقيقية، ومنفتحًا على الصناعة والشراكات الدولية، وقادرًا على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
من هنا، فإن جمع مبادرات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي داخل أي جامعة يجب ألا يكون مجرد عملية حصر. يمكن أن يكون بداية لخريطة أكبر نسأل فيها عن كل مبادرة: هل تحسن التشغيل؟ هل تطور التعلم؟ هل تعيد تصميم برنامج أكاديمي؟ هل تعزز البحث والابتكار؟ هل تسهم في الاستدامة؟ وهل ترتبط ببقية المبادرات أم تعمل كجزيرة مستقلة؟
وربما تكون المشكلة في جامعات كثيرة اليوم ليست نقص المبادرات، بل وفرتها دون إطار يجمعها. فعشرات المشاريع الجيدة لا تصنع بالضرورة تحولًا مؤسسيًا إذا تحرك كل منها في اتجاه منفصل.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا ليس ما التقنيات التي سنستخدمها؟ بل ما الجامعة التي نريد أن نتحول إليها؟
وعندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لا غاية، والتحول الرقمي أداة لإعادة التصميم لا مجرد مشروع تقني، وتصبح المبادرات المتفرقة أجزاءً من رؤية واحدة تشمل التعليم والطالب والأستاذ والبحث والحوكمة والشراكات والاستدامة.
فالجامعة المستقبلية لن تكون الجامعة التي تمتلك أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما الجامعة التي تعرف كيف تستخدم هذه الأدوات لتصبح أكثر قدرة على التعلم والتكيف وصناعة الأثر.
السؤال لم يعد إن كان التعليم العالي سيتغير، فقد بدأ التغيير بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل ستكتفي جامعاتنا بالاستجابة لما يأتي، أم ستشارك في تشكيل ما يأتي؟


اضف تعليقك