
طلبة نيوز- اختتمت الجامعة الأردنيّة ممثّلة بكليّة العلوم التربويّة وبالتعاون مع مؤسّسة سيبال للدراسات والاستشارات، اليوم، أعمال مؤتمر “التعليم نحو المستقبل: مهن المستقبل”، الذي افتتحه يوم الخميس في مدينة العقبة، رئيس الجامعة الدكتور نذير عبيدات، بمشاركة واسعة من قيادات أكاديميّة وتربويّة، وخبراء وصناع قرار، وممثّلي المؤسّسات الوطنيّة والدوليّة، إلى جانب نخبة من الباحثين والمتخصّصين في مجالات التعليم والاقتصاد الرقْميّ والذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا الحديثة.
وخلال مشاركته في الجلسة الحواريّة الأولى، التي تناولت "التخطيط للتعليم ومهن المستقبل في ضوء متطلّبات السوق"، قدّم عبيدات رؤية فكريّة حول التحوّلات العميقة في مفهوم التعليم ودوره في إعداد الإنسان للمستقبل، مؤكّدًا أنَّ التعليم اليوم عالميًّا تحوّل إلى منظومة تهدف إلى التعلّم مدى الحياة، وتعزيز مرونة الفرد في مواجهة التسارع التكنولوجيّ.
وأوضح أنَّ التحدي الحقيقي يكمن في تطوير فلسفة التعليم ذاتها لا التحديث التقنيّ للمناهج فحسب، بما يضمن تلبية احتياجات الاقتصاد الجديد، لافتًا إلى قدرة الكفاءات الأردنيّة على المساهمة في إنتاج مخرجات اقتصاد المعرفة بدلًا من الاكتفاء باستقباله. كما شدّد على أهميّة إعادة تعريف وظيفة التعليم ذاتها، بما يضمن مواءمته مع احتياجات سوق العمل دون التفريط بدوره الإنسانيّ والمعرفيّ.
وقال عميد الكليّة الدكتور محمد صايل الزيود إنَّ المؤتمر عكس وعيًا أكاديميًّا ومؤسّسيًّا متقدّمًا بأهميّة تطوير التعليم العربيّ ليواكب المتغيّرات العالميّة المتسارعة، مؤكّدًا أنَّ الجامعات أصبحت مُطالبة اليوم بإعادة صياغة أدوارها لتكون حاضنة للابتكار والإبداع وإنتاج المعرفة، لا مجرد مؤسّسات تقليديّة للتعليم.
وأضاف الزيود أنَّ المؤتمر نجح في تقديم رؤى علميّة وتطبيقيّة تسهم في بناء منظومة تعليميّة أكثر مرونة وقدرة على إعداد الطلبة لمهن المستقبل، مشيرًا إلى أهميّة استمرار التعاون بين المؤسّسات الأكاديميّة والقطاعات المختلفة لتحويل توصيات المؤتمر إلى برامج ومبادرات قابلة للتطبيق.
من جانبها، أكّدت مدير عام مؤسّسة سيبال للدراسات والاستشارات الدكتورة أفنان المومني أنَّ المؤتمر شكّل منصّة حواريّة وعلميّة متقدّمة، جمعت الخبراء والأكاديميّين وصناع القرار لمناقشة مستقبل التعليم في المنطقة العربيّة، مشيرة إلى أنَّ حجم المشاركة ونوعيّة الأوراق العلميّة والبحوث المقدّمة عكس الاهتمام المتزايد بقضايا التعليم المستقبليّ والاقتصاد الرقْميّ والذكاء الاصطناعيّ، كما أكدت أنَّ مخرجات المؤتمر ستشكّل أساسًا لعدد من المبادرات والمشاريع المستقبليّة الهادفة إلى دعم التحوّل التعليميّ والتنمويّ في الأردن والمنطقة العربيّة.
وأكّد المشاركون خلال جلسات المؤتمر أنَّ العالم يشهد تغيّرات جوهريّة غير مسبوقة في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة، الأمر الذي يفرض على الأنظمة التعليميّة إعادة النظر في فلسفتها وأدواتها وأساليبها، والانتقال من التعليم التقليديّ القائم على التلقين إلى تعليم قائم على الإبداع والابتكار، وبناء المهارات والكفايات، والقدرة على التكيّف مع المتغيّرات المتسارعة.
كما شدد المشاركون على أنَّ الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من تطوير التعليم، وتمكين الإنسان، وإعداد أجيال قادرة على قيادة الاقتصاد المعرفيّ والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعيّ.
وشهد المؤتمر نقاشات موسّعة حول العلاقة بين التعليم وسوق العمل، حيث ركّزت الأوراق العلميّة والمداخلات على أهميّة بناء منظومة تعليميّة مرنة تستجيب للتحوّلات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة، وتعمل على إعداد الطلبة لوظائف المستقبل التي تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والابتكار والتحليل الرقْميّ والمهارات التطبيقيّة، كما أكّد المتحدثون أنَّ نجاح الأنظمة التعليميّة مستقبلًا لن يقاس فقط بحجم المعرفة التي تقدّمها، بل بقدرتها على تخريج أفراد يمتلكون مهارات التفكير النقديّ، وحلّ المشكلات، والعمل الجماعيّ، وريادة الأعمال، والتعلّم المستمر.
أيضاً، تناولت النقاشات أهميّة الذكاء الاصطناعيّ بوصفه أحد أبرز التحوّلات التي ستعيد تشكيل التعليم في السنوات المُقبلة، حيث استعرض الباحثون تجارب وتطبيقات حديثة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعيّ في التعليم والتعلّم والتقويم، ودورها في تحسين جودة التعليم، وتصميم محتوى تعليميّ تفاعليّ، ومراعاة الفروق الفرديّة بين الطلبة، وتطوير بيئات تعليميّة ذكية قادرة على تعزيز التفاعل والإبداع، كما ناقش المشاركون التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعيّ، وعلى رأسها: أخلاقيّات الاستخدام، وحماية الخصوصية، وضمان العدالة التعليميّة، والحاجة إلى إعداد المعلمين والطلبة للتعامل الواعي والمسؤول مع هذه التقنيات.
وركّزت الأوراق البحثية على أهميّة تطوير المناهج الدراسيّة بحيث تصبح أكثر ارتباطًا بالحياة العمليّة، وأكثر قدرة على تنمية المهارات المستقبلية، مع التأكيد على ضرورة دمج مفاهيم الاقتصاد الرقميّ والبرمجة والريادة والابتكار والتكنولوجيا الحديثة في المراحل التعليميّة المختلفة، كما تناولت الدراسات أهميّة الانتقال نحو التعلّم القائم على المشاريع والتجريب والاستقصاء والتطبيق العمليّ، بما يسهم في بناء شخصية متعلّم قادر على المبادرة والإبداع والتفكير المستقل.
وفي جانب التعليم المدرسيّ، ناقش الباحثون أهميّة بناء بيئات تعليميّة داعمة للصحّة النفسيّة والاجتماعيّة للطلبة، خاصة في ظلّ التحديات والأزمات التي يشهدها العالم، حيث تناولت بعض الدراسات دور التعلّم الاجتماعيّ والانفعاليّ في تعزيز الاستقرار النفسيّ، وتنمية القيم والسلوكيات الإيجابيّة لدى الأطفال واليافعين، فيما ركّزت دراسات أخرى على أهميّة تمكين المعلمين وتطوير قدراتهم المهنيّة والتكنولوجيّة، وإعادة تعريف دور المعلّم في العصر الرقميّ ليصبح موجّهًا وميسّرًا للعمليّة التعليميّة بدلًا من كونه ناقلًا للمعلومة فحسب.
كما أولى المؤتمر اهتمامًا خاصًا بالتعليم المهنيّ والتقنيّ، باعتباره أحد أهمّ المسارات القادرة على دعم الاقتصاد الوطنيّ، وتوفير فرص عمل نوعيّة للشباب، حيث ناقش المشاركون أهميّة تحديث برامج التعليم المهنيّ، وربطها بالتطوّرات الصناعيّة والتكنولوجيّة الحديثة، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج والابتكار، وتطوير المهارات التطبيقيّة التي يحتاجها سوق العمل المستقبليّ، وتمّ التأكيد على ضرورة تغيير الصورة النمطيّة للتعليم المهنيّ والتقنيّ، وتعزيز مكانته بوصفه خيارًا إستراتيجيًّا للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
وفي الختام، أوصى المشاركون بتطوير السياسات التعليميّة بما يواكب متطلّبات الاقتصاد الرقميّ ومهن المستقبل، وإعادة بناء المناهج الدراسيّة على أساس المهارات والكفايات والتفكير النقديّ والإبداعيّ، والتوسّع في استخدام الذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا الحديثة في التعليم والتقويم، وتعزيز التعليم المهنيّ والتقنيّ وربطه المباشر باحتياجات سوق العمل، والاستثمار في تدريب المعلمين وتأهيلهم رقميًّا وتكنولوجيًّا، ودعم البحث العلميّ التطبيقيّ في مجالات التعليم والاقتصاد المعرفيّ، وتطوير الشراكات بين المؤسّسات التعليميّة والقطاعين العام والخاص، وتعزيز التعلّم مدى الحياة وتمكين الشباب والمرأة في مجالات الابتكار وريادة الأعمال، وإنشاء منصّات وطنيّة لرصد المهارات المستقبليّة والتنبؤ باحتياجات سوق العمل، إلى جانب توسيع التعاون الإقليميّ والدوليّ في مجالات تطوير التعليم والتكنولوجيا التعليميّة.


اضف تعليقك