TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
الأستاذ الجامعي المشتت: حين تصبح كثرة المهام عائقاً أمام الإنجاز
07/08/2026 - 1:30pm

الدكتور زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية

لم يعد يوم الأستاذ الجامعي يبدأ بمحاضرة وينتهي ببحث علمي. بين البداية والنهاية تمتد سلسلة من الاجتماعات واللجان والتقارير والمراسلات والنماذج والموافقات، حتى يبدو أحياناً أن التدريس والبحث أصبحا مهمتين بين عشرات المهام، لا جوهر العمل الأكاديمي ومحوره الأساسي.
قد يبدأ الأستاذ يومه بشرح مفهوم علمي معقد لطلبته، ثم ينتقل مباشرة إلى اجتماع لجنة، ويعود لمراجعة خطة دراسية أو ملف اعتماد، قبل أن يجيب عن رسائل الطلبة، ويتابع معاملة إدارية، ويعد تقريراً مطلوباً بصورة عاجلة. وعندما يصل المساء، يفتح بحثاً علمياً يحتاج إلى ذهن صاف ووقت متصل، ليكتشف أن طاقته الذهنية قد استُهلكت، مع أنه كان مشغولاً طوال اليوم.
لا تكمن المشكلة في أن عضو هيئة التدريس يعمل كثيراً فقط. فالعمل الأكاديمي لم يكن يوماً وظيفة محدودة بساعات الدوام الرسمي، بل رسالة فكرية ومهنية تتطلب القراءة المستمرة، وإعداد المحاضرات، ومتابعة الطلبة، وإجراء البحوث، والإشراف على الرسائل الجامعية وتطوير البرامج. المشكلة الأعمق أن وقت الأستاذ أصبح مجزأً بين مهام كثيرة ومتباعدة، ويُطلب منه الانتقال بينها بسرعة لا تترك له مساحة كافية للتركيز أو الإنجاز العميق.
وقد وصفت الباحثة صوفي لوروا هذا الأثر بمفهوم "بقايا الانتباه"، إذ يبقى جزء من تفكير الإنسان عالقاً بالمهمة السابقة عندما ينتقل إلى مهمة جديدة، خصوصاً إذا كانت المهمة الأولى غير مكتملة. ولذلك قد ينتهي الاجتماع، لكن موضوعه لا ينتهي في ذهن الأستاذ. وقد يدخل قاعة المحاضرة بينما لا يزال يفكر في تقرير لم يُنجز، أو معاملة توقفت، أو بريد ينتظر جواباً عاجلاً.
وهنا لا تستهلك المقاطعة مدتها الظاهرة فقط. فالاجتماع الذي يستغرق نصف ساعة قد يقطع سلسلة تفكير كانت ضرورية لإعداد محاضرة أو كتابة بحث، ويحتاج الأستاذ بعده إلى وقت إضافي لاستعادة التركيز. ومع تكرار المقاطعات، يتحول اليوم الأكاديمي إلى أجزاء صغيرة لا تكفي أي منها لإنجاز عمل فكري متماسك.
والعمل الأكاديمي بطبيعته لا ينجح دائماً في المساحات القصيرة. إعداد محاضرة جيدة لا يتم بين مكالمتين، وقراءة ورقة علمية متخصصة لا تنجح في ظل تنبيهات البريد الإلكتروني، والابتكار البحثي لا يولد عادة في جدول مزدحم بالاجتماعات. الأفكار الجادة تحتاج إلى وقت، والبحث يحتاج إلى صبر، والتدريس الجيد يحتاج إلى حضور ذهني. وحين يصبح يوم الأستاذ سلسلة من الطلبات العاجلة، فإن المهام الأهم تكون غالباً أول ما يتأثر، لأنها لا تصرخ ولا تطلب جواباً فورياً.
لقد توسع دور عضو هيئة التدريس خلال العقود الماضية بصورة كبيرة. فإلى جانب التدريس والبحث، أصبح مطالباً بالإرشاد الأكاديمي، وخدمة المجتمع، وبناء الشراكات، وربط الجامعة بسوق العمل، والمساهمة في التصنيفات العالمية، والحصول على التمويل، وتطوير التعلم الإلكتروني، وإعداد ملفات الاعتماد والجودة، وتنظيم المؤتمرات، وتمثيل الجامعة في المجالس واللجان.
وهذه جميعها مهام مهمة وتعكس اتساع رسالة الجامعة الحديثة. لكن جمعها في شخص واحد دون إعادة تصميم حقيقية للعبء الأكاديمي قد يحول تعدد الأدوار من مصدر قوة إلى سبب للتشتت والاستنزاف. فالجامعة لا تستطيع أن تطلب من الأستاذ أن يكون معلماً وباحثاً وإدارياً ومرشداً ومدير مشروع وخبير جودة ومنسق شراكات في الوقت نفسه، ثم تقيس أداءه كما لو أن كل واحدة من هذه المهام لا تحتاج إلى وقت مستقل.
وفي الجامعات الأردنية تزداد هذه الصورة وضوحاً مع تعدد متطلبات الاعتماد وضمان الجودة، وتحديث الخطط الدراسية، والتعلم الإلكتروني، والتصنيفات، والمشاريع المحلية والدولية، واللجان الأكاديمية والإدارية. ومع أهمية هذه المتطلبات، فإنها غالباً ما تضاف إلى العبء القائم بدلاً من أن يعاد توزيع العمل على أساسها. وهكذا تتوسع المسؤوليات، بينما تبقى ساعات اليوم كما هي.
ولا تتوقف المشكلة عند عدد المهام، بل تمتد إلى الإجراءات المحيطة بها. فقد تستغرق الموافقة على نشاط أو شراء جهاز أو دعوة خبير أو عقد شراكة وقتاً أطول من تنفيذ المهمة نفسها. وقد يُطلب من الأستاذ إدخال المعلومات ذاتها في أكثر من نموذج، أو إرسال الوثيقة إلى أكثر من جهة، أو متابعة معاملة انتقلت بين مكاتب متعددة دون أن يعرف بوضوح أين توقفت ولماذا.
هنا لا تعود الإجراءات أداة لتنظيم العمل، بل تتحول إلى عمل مواز يستهلك طاقة المؤسسة. وليست المشكلة في وجود التعليمات، فالتعليمات ضرورية لحماية المال العام وضمان العدالة والجودة والمساءلة. المشكلة في كثرتها وتداخلها، وفي غموض بعض بنودها، وتعدد الجهات التي تفسرها، وعدم جمعها في مرجع واضح ومحدث يسهل الوصول إليه.
وقد يجد عضو هيئة التدريس نفسه مضطراً إلى التعلم بالمحاولة والسؤال، أو إعادة الإجراء أكثر من مرة بسبب وثيقة لم يكن يعلم بضرورة إرفاقها. وفي بعض الحالات، يصبح النجاح في إنجاز المعاملة مرتبطاً بمدى معرفة الأستاذ بالتفاصيل الإدارية وبالأشخاص الذين يمكن الرجوع إليهم، بدلاً من وضوح النظام نفسه.
كل مؤسسة تحتاج إلى أنظمة، لكن النظام الجيد هو الذي يحمي العمل ويسهله، لا الذي يصبح أكثر صعوبة من العمل ذاته. كما أن الرقمنة لا تحل المشكلة تلقائياً. فقد تتحول النماذج الورقية إلى إلكترونية، بينما تبقى الخطوات والتواقيع والموافقات كما هي. وعندها لا نكون قد أعدنا هندسة الإجراء، بل نقلنا البيروقراطية من الورق إلى الشاشة.
بل قد تزيد الرقمنة غير المدروسة العبء، عندما يصبح الأستاذ مطالباً بإدخال البيانات ورفع الوثائق ومتابعة الطلبات عبر أنظمة متعددة لا تتبادل المعلومات فيما بينها. فالتكنولوجيا الحقيقية ليست التي تحول كل نموذج إلى شاشة، بل التي تلغي الخطوات غير الضرورية وتمنع تكرار العمل.
إن كثرة المهام لا تعني بالضرورة كثرة الإنجاز. قد يعمل الأستاذ طوال اليوم ويغادر مكتبه وهو يشعر بأنه كان مشغولاً باستمرار، لكنه لا يستطيع أن يحدد ما الذي أنجزه فعلياً في التدريس أو البحث. وهذه من أقسى صور الاستنزاف، أن يبذل الإنسان جهداً كبيراً دون أن يرى أثراً يتناسب معه.
ومع مرور الوقت، قد ينتقل الأستاذ من المبادرة إلى الاستجابة، ومن التخطيط إلى إطفاء الحرائق، ومن صناعة الأفكار إلى متابعة التفاصيل. وقد يتراجع الرضا الوظيفي، لا لأن الأستاذ يرفض العمل، بل لأنه يشعر بأن الجزء الأكبر من وقته يذهب إلى مهام لا تعكس القيمة الحقيقية التي يستطيع إضافتها.
كما لا تتوزع المهام دائماً بعدالة. فعضو هيئة التدريس النشط والموثوق يُطلب منه عادة المزيد من اللجان والملفات والمبادرات، حتى تصبح كفاءته سبباً في تحميله أعباء إضافية. وفي المقابل، قد ينجح الأقل مشاركة في حماية وقته، بينما يدفع الأكثر التزاماً ثمن نشاطه. وهنا تظهر مفارقة مؤسسية خطرة: أن تكافئ الجامعة الإنجاز بمزيد من العمل.
ويزداد الشعور بعدم العدالة عندما لا تعترف أنظمة تقييم الأداء والترقية بجميع هذه الأدوار بصورة متوازنة. فقد يقضي الأستاذ وقتاً طويلاً في تطوير برنامج أكاديمي، أو إعداد ملف اعتماد، أو بناء شراكة مع الصناعة، أو إدارة مشروع مجتمعي، ثم يجد أن ما يحتسب بوضوح في مساره الأكاديمي هو عدد الأبحاث المنشورة. وفي الوقت نفسه، يُطلب منه أن يحقق إنتاجاً بحثياً يفترض توافر وقت لم تمنحه المؤسسة له أصلاً.
ولا يكون الحل بإعفاء الأستاذ الجامعي من كل مهمة غير التدريس، أو حصر دوره داخل قاعة المحاضرة. فالجامعة الحديثة تحتاج إلى أستاذ متعدد الأدوار، قريب من المجتمع والصناعة، وقادر على القيادة والابتكار. لكن تعدد الأدوار يحتاج إلى إدارة واعية، وتوزيع عادل، وأولويات واضحة، ودعم إداري، ووقت محمي للمهام الأكاديمية الأساسية.
وتبدأ المعالجة من مراجعة واقعية للعبء الأكاديمي، بحيث لا يُقاس بعدد الساعات التدريسية وحدها. فالإشراف على الرسائل، وإدارة المختبرات، وتطوير البرامج، وقيادة المشاريع، وخدمة اللجان، والعمل المجتمعي، والمهام الدولية، كلها تستهلك وقتاً حقيقياً ويجب أن تظهر في نموذج واضح لتوزيع العبء.
كما تحتاج الجامعات إلى التمييز بين ما يجب أن يقوم به الأكاديمي، وما يمكن أن تنفذه الوحدات الإدارية والمساندة. فليس كل إجراء مرتبط بمشروع أكاديمي يجب أن ينفذه الأستاذ بنفسه. يمكن للموظفين المتخصصين أن يتولوا الجوانب المالية واللوجستية والتنظيمية، ليبقى دور الأستاذ مركزاً على المحتوى العلمي والقرار الأكاديمي.
وتحتاج الجامعات أيضاً إلى إعادة هندسة الإجراءات، لا مجرد رقمنتها. كل إجراء طويل يجب أن يخضع لسؤال بسيط: ما القيمة التي تضيفها كل خطوة؟ وهل يمكن دمج الموافقات؟ وهل يمكن إدخال البيانات مرة واحدة؟ وهل توجد مدة زمنية معلنة للمعاملة؟ وهل يعرف صاحب الطلب من المسؤول عنها وفي أي مرحلة وصلت؟
ومن الضروري كذلك مراجعة ثقافة الاجتماعات. فليس كل موضوع يحتاج إلى اجتماع، وليس كل اجتماع يحتاج إلى ساعة، وليس حضور عدد كبير من الأشخاص دليلاً على جودة القرار. يمكن حسم كثير من القضايا بمذكرة واضحة، أو تفويض مناسب، أو اجتماع قصير بأجندة محددة. فساعة الاجتماع لا تعني ساعة واحدة، بل مجموع ساعات جميع المشاركين، إضافة إلى وقت الاستعداد وأثر المقاطعة.
والأهم أن تحمي الجامعات وقت العمل العميق. يمكن تخصيص أوقات تقل فيها الاجتماعات، وتنظيم المراسلات بحيث لا يتحول البريد الإلكتروني إلى أداة ضغط دائم، وتجنب وصف كل طلب بأنه عاجل. كما ينبغي منح أعضاء هيئة التدريس مرونة أكبر في إدارة وقتهم، لأن البحث والإعداد العلمي لا ينسجمان دائماً مع الحضور الشكلي والجداول الجامدة.
إن كفاءة الجامعة لا تظهر في عدد التعليمات التي تصدرها، ولا في عدد النماذج التي تطلبها، ولا في كثافة الاجتماعات التي تعقدها. الكفاءة الحقيقية تظهر في قدرتها على تحويل الوقت والموارد إلى تعليم أفضل، وبحث أكثر تأثيراً، وخدمة أكثر فاعلية للمجتمع.
وحين نطالب الأستاذ بالإبداع، يجب أن نتيح له الوقت الذي يحتاجه الإبداع. وحين نطالبه بالبحث، يجب ألا نستهلك يومه في متابعة الإجراءات. وحين نطالبه بتعليم الطلبة، يجب ألا يدخل قاعة المحاضرة منهكاً من اجتماع انتهى قبل دقائق.
السؤال الذي تحتاج الجامعات إلى طرحه ليس: كيف نجعل عضو هيئة التدريس يقوم بمزيد من المهام؟ بل: كيف نعيد تنظيم العمل حتى ينجز المهام الأهم بأفضل صورة؟
فالجامعة التي تملأ وقت أساتذتها قد تبدو نشطة، لكن الجامعة التي تحسن استثمار عقولهم هي التي تصنع الفرق.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)