TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
الإعلام الرسمي في الأزمات: بين إدارة الرواية واختبار المصداقية
06/05/2026 - 10:15am

طلبة نيوز- د. عبدالله حسين العزام

لم يعد السؤال في أوقات الأزمات يقتصر على ما الذي جرى، بل امتد ليشمل كيف يُروى الحدث، ومن يمتلك القدرة على تحديد معناه داخل الفضاء العام.

فالمعلومة لم تعد تسير في مسار خطي، بل تدخل فور تداولها في دائرة من التفسير والمقارنة وإعادة البناء، ما يجعل الخطاب الإعلامي الرسمي جزءًا من بيئة مفتوحة على التنافس والتأويل.

تشير أدبيات الإعلام المعاصر إلى أن الأزمات لم تعد تُدار ضمن أدواتها التقليدية، بل ضمن ما يمكن وصفه بصراع السرديات، حيث تتزاحم الروايات وتتقاطع المصالح، وتسعى كل جهة إلى تقديم قراءتها بوصفها الأكثر إقناعًا وتأثيرا.

وفي هذا السياق، لا يكون التحدي في نقل الوقائع فحسب، بل في القدرة على تأطيرها ومنحها دلالاتها السياسية والاجتماعية.

هنا، يبرز الخطاب الإعلامي الرسمي بوصفه أحد أهم أدوات إدارة الثقة. فكلما اتسم بالوضوح والتماسك والاتساق، عزز من حضور الرواية الرسمية وثبّت موقعها في الوعي العام. أما حين يتسم بالتناقض أو التأخر أو الغموض، فإنه يفتح المجال أمام روايات موازية قد تكتسب انتشارًا أوسع، حتى وإن افتقرت إلى الدقة أو الموثوقية.

ولم تعد المصداقية تُقاس فقط بصحة المعلومة، بل بظروف إنتاجها وسياق تقديمها وتوقيتها. فالجمهور لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل فاعلًا يقارن ويحلل ويعيد تفسير الرسائل في الزمن الحقيقي، الأمر الذي حدّ من القدرة التقليدية على التحكم في تدفق المعلومات أو احتكارها.

من زاوية أخرى، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للواقع، بل أصبح شريكًا في تشكيله. فاختيار الكلمات، وبناء الجمل، وتوقيت النشر، كلها عناصر تسهم في صياغة إدراك الجمهور للحدث. وهو ما يضع الخطاب الرسمي أمام مسؤولية مركبة، تتجاوز نقل الوقائع إلى إدارة المعنى ذاته.

غير أن هذا الدور يتعقد في لحظات الأزمات، حيث تتسارع الأحداث ويزداد الضغط على صانع الرسالة. وفي مثل هذه الظروف، قد يؤدي التسرع أو تضارب التصريحات إلى إضعاف الثقة وخلق حالة من الارتباك المعلوماتي، تدفع الجمهور نحو مصادر بديلة قد لا تكون بالضرورة دقيقة أو موثوقة.

وفي المقابل، لا يعني الخطاب الفعّال الإكثار من التصريحات، بقدر ما يعني القدرة على تقديم رواية متماسكة، متوازنة، تجمع بين الشفافية وضبط الرسالة. فالإفصاح غير المنظم قد لا يقل أثرًا عن الغموض، إذا لم يُقدَّم ضمن إطار واضح يساعد على الفهم ويحد من التأويل.

كما أن الخطاب الإعلامي لم يعد أحادي الاتجاه، بل أصبح جزءًا من عملية تفاعلية مستمرة، يشارك فيها الجمهور في إنتاج المعنى وإعادة تفسيره. وهذا ما جعل من تعدد السرديات سمة بنيوية في البيئة الإعلامية الراهنة، لا حالة استثنائية.

في المحصلة، لم تعد فعالية الخطاب الإعلامي الرسمي تُقاس بقدرته على السيطرة على المعلومة، بل بقدرته على بناء الثقة في فضاء مفتوح لا يعترف بالاحتكار. فالحقيقة اليوم لا تتحدد فقط بما يُقال، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام التدقيق، وقابليتها للتصديق في بيئة تتعدد فيها الروايات وتتقاطع فيها المصالح.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)