
النزاهة في البحث والنشر العلمي الاردني: وجهة نظر
أ.د. عدنان العتوم
17-7-2025
في الفترة الأخيرة، كثر الحديث عن موضوع النزاهة البحثية للبحوث المنشورة، وخلطت أوراقه مع موضوع التصنيفات العالمية للجامعات. وقد كان لمؤشر النزاهة البحثية (RI²: Research Integrity Risk Index) الخاص بالجامعات، والذي أعدّه البروفيسور لقمان إمهو (Lokman I. Meho)، السبب في إثارة هذا الموضوع على الساحة الإعلامية الأردنية، رغم أن هذا المؤشر لا علاقة له بتصنيف الجامعات؛ فهو يتحدث عن مؤشرين اثنين فقط يتعلقان بنزاهة البحوث المنشورة. ولذلك، سوف أختصر حديثي على النزاهة في البحث والنشر، ولن أتحدث عن تصنيف الجامعات.
بداية، فإنني أرى أن هذا المؤشر له من الأهمية كغيره من المؤشرات، لكنه تناول حالتين فقط من حالات النزاهة البحثية، وهما: سحب البحث بعد النشر (Retraction)، والنشر في مجلات حُذفت/ أُسقطت من قواعد الفهرسة العالمية (Delisting Journal). إلا أننا جميعًا نعلم أن هناك العديد من المؤشرات والممارسات غير الأخلاقية التي لم يتضمنها التقرير، وبعضها قد يكون أكثر خطورة على النزاهة البحثية والنشر العلمي، وقد يكون كشفها وقياسها أكثر صعوبة. ووفق قناعتي الشخصية، فإن المؤشر الأول، وهو سحب البحث لأسباب تتعلق بالنزاهة العلمية، هو حالة نادرة وقليلة الحدوث؛ لأن معظمها يتم كشفه ورفضه قبل النشر. أما المؤشر الثاني، وهو حذف المجلة من قواعد البيانات العالمية، فهو سلاح ذو حدين؛ الأول: يشير إلى وجود مجلات تجارية تحاول الكسب المادي السريع، ولذلك تخرج بعد مرور سنة إلى سنتين من قواعد البيانات العالمية، وأن الباحث قد يكون ضحية هذا الجشع، والثاني: يشير إلى عدم وعي الباحثين والطلبة بالأسلوب الأمثل لاختيار المجلة من حيث معامل تأثيرها واستقرارها في قواعد البيانات العالمية.
وفي ضوء خبرتي كباحث ومحكم ورئيس هيئات تحرير، وعضو في العديد منها، ومشرف ومناقش على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه، أردت أن أعرض وجهة نظري الشخصية في ثلاث نقاط، هي:
الممارسات غير الأخلاقية في البحث والنشر التي يجب الوقوف عندها، وأسباب هذه الممارسات، والحلول التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لمواجهتها.
أولًا: الممارسات غير الأخلاقية في البحث والنشر
إن المتابع لواقع البحث والنشر العلمي في الأردن وفي غالبية دول العالم الثالث، يعرف جيدًا ومنذ سنوات طويلة، أن هناك عددًا من الممارسات السلبية في البحث والنشر، سواء على مستوى الرسائل الجامعية أو النشر لأعضاء هيئة التدريس، تستدعي التوقف عندها ودراستها، ومنها:
1. السرقات العلمية: وتتمثل في النقل غير المشروع من مصادر أخرى، جزئيًا أو كليًا.
2. التلاعب في البيانات والنتائج: ويتمثل في التزوير الكلي أو الجزئي للبيانات والتحليلات الإحصائية، أو حذف أو تعديل بعض النتائج لغايات تدعيم فرضيات الدراسة.
3. عدم احترام معايير التأليف العلمي: ويُقصد بها إدراج أسماء لم تساهم في العمل البحثي، أو عدم مراعاة ترتيب الأسماء حسب جهدهم في العمل البحثي.
4. النشر المكرر: ويُقصد به نشر نفس الدراسة في أكثر من مجلة، أو تقسيم البحث إلى أجزاء صغيرة للنشر المتعدد (Salami Slicing).
5. الاستعانة بجهات خارجية في الكتابة (Ghostwriting): وتتمثل في الاستعانة بجهات خارجية للكتابة الجزئية أو الكلية، سواء كانت مدفوعة أو مجانية، وهي متوفرة محليًا وعالميًا. ولا يشمل ذلك الاستعانة بمحرر لغوي، لأنه إجراء سليم ومطلوب وفق أخلاقيات البحث العلمي.
6. الاستخدام الجائر لتطبيقات الذكاء الاصطناعي: يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة، مثل التدقيق اللغوي أو التحليل الكمي أو فهم بعض المتغيرات والعلاقات بينها أو الوصول إلى بعض الدراسات، ولكن لا يجوز الاعتماد عليها في توليد محتوى بحثي كامل. ويجب الإفصاح عن أي استخدام لبرمجيات الذكاء الاصطناعي إن تم. كذلك ساعدت العديد من برمجيات تحويل لغة الذكاء الاصطناعي إلى لغة بشرية (Humanizer) في تعميق هذه المشكلة وتفادي كشفها.
7. انتهاكات الترجمة: وتتمثل هذه الظاهرة في السرقة العلمية من مصادر بلغة غير لغة البحث، ثم ترجمتها إلى اللغة المراد النشر بها لتجاوز القدرة على كشفها من خلال برمجيات كشف الاقتباسات والتزوير.
ثانيًا: أسباب هذه الممارسات:
يمكن أن نُعزي الكثير من انتهاكات النزاهة في البحث والنشر إلى الأسباب الآتية:
1. ضعف الوازع الأخلاقي والقيمي والديني لدى الباحث، وقناعة البعض أن البحث والنشر يهدفان فقط للتخرج أو الترقية، وليس لتنمية وتطوير المعرفة العلمية. (انظر :رابط الدراسة على ResearchGate)
2. ضعف تطبيق التعليمات والأنظمة في الجامعات تجاه المخالفين، وعدم فرض عقوبات رادعة بحقهم.
3. ضعف السياسات المؤسسية للنزاهة البحثية، ونقص البنية المؤسسية لوحدات مستقلة للنزاهة، مثل مكاتب "ضباط نزاهة البحث" (Research Integrity Officer)، أو دورات إلزامية في أخلاقيات البحث العلمي.
4. ضعف وعي الباحثين في اختيار المجلات العلمية المؤثرة، وذات التأثير والاستدامة العالية.
5. عدم كفاية تدريب الباحثين وطلبة الدراسات العليا على أخلاقيات البحث والنشر العلمي.
6. قصور التعليمات والأنظمة الجامعية في التعامل مع آليات النشر لطلبة الدكتوراه وأعضاء هيئة التدريس في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية، خصوصًا الذين لا يتقنون اللغة الإنجليزية. ولعلنا نعلم أنه لا توجد مجلات مفهرسة عالميًا للنشر باللغة العربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في الوطن العربي (وليس الأردن فقط) سوى مجلة "دراسات: سلسلة العلوم الاجتماعية والإنسانية" في الجامعة الأردنية.
7. غياب الرقابة على دقة بيانات الدراسات ونتائجها من قبل عمادات البحث العلمي والدراسات العليا والمشرفين، وغالبية المجلات العلمية في العالم الثالث، مما يفتح الباب للعديد من الممارسات السلبية، وخصوصًا في المكاتب الخاصة التي تقوم بذلك.
8. عدم فعالية آليات الإشراف الأكاديمي ومتابعة مشاريع ورسائل طلبة الدراسات العليا في الجامعات.
ثالثًا: الحلول لمواجهة هذه الممارسات
أعتقد أن مسؤولية النزاهة العلمية والأخلاقية في البحث والنشر العلمي هي مسؤولية مجتمعية، لا تقع على عاتق وزير أو رئيس جامعة فقط، لأن النزاهة العامة مسؤولية تبدأ من الأسرة والمدرسة، ومرورًا بالجامعة التي تُخرّج المعلمين وأعضاء هيئة التدريس والباحثين الذين نتوقع منهم ممارسات اخلاقية بحثية عالية. ومن الحلول المقترحة ما يلي:
1. تعزيز ثقافة وأخلاقيات البحث والنشر العلمي والقيم العلمية منذ مرحلة البكالوريوس، مرورًا بالدراسات العليا، ثم دورات تهيئة أعضاء هيئة التدريس، وبشكل إلزامي ودوري، ليتواكب مع المستجدات المتسارعة.
2. عقد دورات تدريبية وتوعوية لأعضاء هيئة التدريس حول سبل اختيار المجلات الجيدة، والطرق الأخلاقية في استخدام التكنولوجيا (مثل الذكاء الاصطناعي) في البحث، وخصوصًا في الكليات الإنسانية والاجتماعية.
3. وضع معايير للنزاهة الأكاديمية في جميع معاملات تعيين وتثبيت وترقية أعضاء هيئة التدريس في الجامعات.
4. تخصيص مساق أو وحدة في مساقات مناهج البحث العلمي في الدراسات العليا لأخلاقيات البحث والنشر العلمي.
5. إعادة النظر في التعليمات والأنظمة المتعلقة بجميع أنواع المخالفات الأخلاقية في البحث والنشر، وتشديد العقوبات لتصبح رادعة وملزمة لصاحب القرار، كما كانت في السابق.
6. إنشاء مكاتب للنزاهة في البحث والنشر في الجامعات لتتبع هذه المخالفات، والتحقيق فيها، وتطوير أدوات الكشف عن التزوير والانتحال مثل برنامج. Turnitin
7. وضع سياسات وتوجيهات واضحة من قبل وزارة التعليم العالي والجامعات للتعامل مع برمجيات الذكاء الاصطناعي في توليد المعرفة العلمية، وتحديد ما هو مسموح به وما هو ممنوع.
8. توجيه الأجهزة المعنية في الدولة للتعامل الحاسم مع المكاتب التي تعمل على كتابة الرسائل والبحوث والنشر العلمي، والتي تنشر إعلاناتها على المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل علني واستفزازي.
9. إعادة النظر في معايير اعتماد المجلات لأغراض الترقية لأعضاء هيئة التدريس، وشروط النشر لطلبة الدكتوراه (تنص تعليمات منح درجة الدكتوراه على ضرورة نشر طلبة الدكتوراه المقبولين اعتبارًا من عام 2022 لأطروحاتهم في مجلات عالمية مفهرسة)، على مستوى سياسات التعليم العالي والجامعات، خصوصًا في الكليات الإنسانية والاجتماعية التي غالبًا لم تُدرس في جامعات تعتمد اللغة الإنجليزية، بحيث تكون شروط النشر في مجلات علمية مفهرسة عالميًا معقولة، مع تقديم التسهيلات والاستشارات الفنية بما يضمن دخولهم في هذا الجانب بشكل تدريجي وسلس وأخلاقي، أو توفير بدائل لمجلات عربية مفهرسة في قواعد البيانات العربية في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.
10. رفع الجامعات لسقف تغطية رسوم النشر، لأن المجلات المتميزة تتطلب رسومًا عالية، لتجنيب الأساتذة من النشر في مجلات ذات تأثير منخفض أو خرجت من التصنيفات العالمية.
11. فتح مكاتب في عمادات البحث العلمي في الجامعات لإيداع البيانات الرقمية والإحصائية للبحوث والرسائل الجامعية، للتقليل من التزوير والتلاعب، وهو أمر مطبّق في الغرب، وتطلبه العديد من الدوريات العالمية المحترمة، حيث تشترط وجود رابط للبيانات قبل النشر، ويُذكر ذلك على صفحات البحث (مثال: https://zenodo.org/deposit: https://osf.io/).
وفي النهاية، لا يجوز ان نقف عند القاء اللوم هنا وهناك لان الحلول والمسؤولية عنها هي قضية مشتركة بين قطاع الحاكمية واعضاء هيئة التدريس وطلبة الدراسات العليا وتتطلب تعاون الجميع. كما لا يجب ان نكون سلبيين او أن نلجاء الى التعميم السلبي على حالة النزاهة العامة للبحث والنشر العلمي الاردني لان هنالك الكثير من الانجازات ولدينا باحثين متميزين على مستوى العالم نعتز جميعا بانجازاتهم ونريدهم قدوة لنا في خدمة وطننا الغالي وتحقيق المزيد من الانجازات.


اضف تعليقك