
أقر مجلس أمناء الجامعة الأردنية مساء الاثنين في أول جلسة له برئاسة دولة الدكتور عبدالرؤوف الروابدة التشكيلات الأكاديمية للعام الجامعي 2026/2027، وذلك بعد صدور الإرادة الملكية السامية بتشكيل مجالس أمناء الجامعات وفق قانون الجامعات الجديد.
لكن المتابع للشأن الأكاديمي يدرك أن ما جرى لم يكن إجراءً روتينياً. فالتشكيلات الجديدة جاءت كخلاصة لخمس سنوات من العمل المؤسسي بقيادة الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، وبوصلة واضحة: تقييم الإنجاز قبل توزيع المنصب.
تثبيت الملفات الاستراتيجية في مستوى النواب
يتضح من التشكيلة أن منصب "نائب الرئيس" بات يُدار كملف استراتيجي لا كمنصب إداري. فتجديد الثقة بالدكتور زياد الحوامدة نائباً للشؤون الإدارية والمالية والتحول الرقمي هو اعتراف مباشر بنجاح أصعب الملفات. خلال السنوات الخمس الماضية تحولت الجامعة إلى ورشة تحديث مستمرة. تم تحديث 345 قاعة تدريسية و20 مدرجاً، وإعادة تأهيل الحرم والشوارع والحدائق وفق مخط معماري موحد. كما أدار الحوامدة ملفين حساسين هما حفل التخرج والانتخابات الطلابية، ونجح في ضبطهما بما ينسجم مع رؤية الإدارة الجديدة.
وفي ملف العلاقات الدولية، عادت الدكتورة ناهد عميش نائباً للشركات والمشاريع الدولية بعد 3 سنوات. والعودة هذه المرة تحمل مهمة "إعادة الصياغة". فالجامعة التي قفزت في تصنيف QS من 601-650 عام 2020 إلى 326 عام 2027، ورفعت عدد برامجها المعتمدة دولياً من 22 إلى 61 برنامجاً، لم تعد بحاجة إلى مزيد من مذكرات التفاهم الكمية. بل إلى شراكات نوعية ترفع التنافسية وتفتح أبواب البحث والتمويل المشترك.
أما القرار الأهم فكان شخصية نائب الرئيس لشؤون الكليات الإنسانية وتكليف الدكتور مأمون الدبعي به. فقد كان اختيار الأمين العام الأسبق للتعليم العالي يحمل رسالة واضحة: إعادة صياغة الحاكمية في الكليات الإنسانية وربط مناهجها بسوق العمل وبمهارات الحوار وتقبل الرأي الآخر. وهو ما يتماشى مع هدف "التحديث الشامل" في بناء شخصية الطالب الأكاديمية.
العمداء.. الكفاءة مقابل التحدي
على مستوى العمداء جاءت التعيينات كاستجابة مباشرة لتحديات كلية. ففي كلية الآداب كُلف الدكتور محمد السعودي خلفاً للدكتور محمد القضاة. وبعد أن أعاد القضاة للكلية دورها التاريخي ودوره الريادي في تحديث الكلية و برامجها جاء السعودي والذي شغل موقع الأمين العام لمجمع اللغة العربية ليرسخ دور "أم الكليات" كحاضنة للهوية والفكر النقدي. حيث ان السعودي احد الشخصيات الاكاديمية المرموقة في المشهد الثقافي الوطني .
وفي عمادة شؤون الطلبة، كان اختيار الدكتور محمد المعاقبة موفقاً. فهو قانوني متخصص في القانون الإداري قادر على تنفيذ الأنظمة الطلابية الجديدة. وفي الوقت نفسه فإن خلفيته الحزبية تمكنه من تنفيذ توجه الدولة بإطلاق العمل السياسي والحزبي في الجامعات. وبذلك تتحول العمادة من إدارة نشاطات إلى مصنع للمواطنة.
وكان التعيين ذو الدلالة الواضحة في كلية الملك عبدالله الثاني لتكنولوجيا المعلومات. فتكليف الدكتور لؤي نمر جاء بعد إنجازاته كمدير لمركز تكنولوجيا المعلومات ومستشار للرئيس للتحول الرقمي. ونظراً لكونه من رواد الذكاء الاصطناعي في الأردن، فإن تعيينه ترجمة عملية لرؤية عبيدات في تمكين الطلبة من المهارات الرقمية. الهدف الآن هو نقل الكلية من تعليم البرمجة إلى إنتاج حلول ذكاء اصطناعي.
وفي كلية العلوم التربوية، أكبر كليات الجامعة من حيث برامج الدراسات العليا والدكتوراه، كان اختيار الدكتور خالد السرحان خياراً توافقياً. فإدارة هذا الحجم الأكاديمي تتطلب شخصية ذات شبكة علاقات واسعة وقادرة على إدارة الحاكمية الأكاديمية واستيعاب التطورات المحلية والدولية.
أما في الكليات الطبية فقد أجرى عبيدات إعادة هيكلة شاملة. فكُلف الدكتور خسام الحوري بعمادة الطب لاستيعاب كافة الأطياف الأكاديمية، ونُقل الدكتور أيمن وهبة إلى عمادة البحث العلمي لسحب الخبرة الطبية إلى ملف البحث. كما عُينت الدكتورة سكينة ريالات عميدة لطب الأسنان نظراً لتميزها البحثي وعلاقاتها الدولية، وعادت الدكتورة عبلة البصول لعمادة الصيدلة بناء على إنجازاتها السابقة. الرسالة هنا أن البحث الطبي والاعتماد الدولي والتعاون العابر للتخصصات أصبحت أولوية قصوى.
بوصلة الإنجاز لا المنصب
تكشف هذه التشكيلات عن فلسفة إدارية واحدة: لا مكان للفراغ. فالدكتور نذير عبيدات قال عند ترشحه "سآتي لأصنع فارقاً"، والأرقام تثبت ذلك. فالجامعة الأردنية في 2026 ليست جامعة 2021.
قفزت 275 مرتبة في تصنيف QS العالمي. وتضاعف الإنتاج البحثي ليصل إلى 3755 منشوراً عام 2025، وارتفعت نسبة الأبحاث في مجلات Q1 من 33% إلى 56%. واستحدثت الجامعة 28 برنامجاً أكاديمياً جديداً في مجالات أشباه الموصلات والحوسبة الكمية والأمن السيبراني والطاقة المتجددة. كما رُقمنت 400 مادة تعليمية وبدأ تدريس 50 منها في بيئة تفاعلية.
لذلك جاءت التشكيلات لتثبت الناجح، وتعالج القصور، وتضخ كفاءات متخصصة في الملفات القادمة: الذكاء الاصطناعي، الحوكمة في الكليات الإنسانية، والحياة الطلابية السياسية.
لم يعد السؤال: من يستحق المنصب؟
أصبح السؤال: من يستطيع أن يصنع الأثر القادم؟
وهذا هو جوهر التحديث الشامل الذي دخلته الجامعة الأردنية.


اضف تعليقك