TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
التعليم الأردني بين المطرقة والسندان إصلاح أم إدارة للأزمة؟
13/09/2026 - 5:00am

أ.د هاني الضمور
ليس من المبالغة القول إن أخطر القرارات التي تتخذها الدول هي تلك التي لا تظهر نتائجها فورًا. وفي مقدمة هذه القرارات تأتي القرارات المتعلقة بالتعليم؛ فالخطأ في مشروع إنشائي قد يُكتشف خلال أشهر، والخلل في سياسة اقتصادية قد تكشفه المؤشرات خلال فترة قصيرة، أما الخطأ التربوي فقد يحتاج سنوات قبل أن تظهر كلفته الحقيقية في الجامعة، وسوق العمل، والإدارة العامة، وفي قدرة المجتمع نفسه على التفكير والإنتاج.
ولهذا فإن الحديث عن التعليم الأردني لا يحتمل المجاملة، ولا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع وزير أو مؤسسة أو حكومة. القضية أعمق من الأشخاص جميعًا؛ لأنها تتعلق بالسؤال عن قدرة الدولة على إدارة عقلها البشري.
وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق النقاش: هل ما نشهده في التعليم الأردني يمثل عملية إصلاح تربوي متكاملة، أم أننا ما زلنا نتعامل مع أجزاء المشكلة كل على حدة، فنغير نظامًا، أو نعدل امتحانًا، أو نستحدث مسارًا، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة؟
في علم السياسات العامة، لا يُقاس الإصلاح بعدد القرارات الجديدة، بل بقدرته على تشخيص المشكلة، وتحديد أهداف قابلة للقياس، واختيار أدوات مناسبة، ثم تقييم النتائج وتصحيح المسار. وهذه القاعدة تصبح أكثر صرامة في التعليم؛ لأن الطالب ليس مادة تجريبية يمكن استبدالها إذا أخفقت التجربة.
ومن هنا لا يكفي أن نسأل: ما القرار الجديد؟ الأهم أن نسأل: ما المشكلة التي جاء القرار ليحلها؟
هل لدينا تشخيص دقيق لمواضع الضعف في التعليم الأردني؟ هل المشكلة في المناهج، أم في طرق التدريس، أم في إعداد المعلمين، أم في الإدارة المدرسية، أم في البيئة الاجتماعية، أم في الامتحانات، أم في العلاقة بين المدرسة والجامعة وسوق العمل؟
وربما كانت الإجابة العلمية الأكثر صدقًا أن المشكلة ليست في عنصر واحد، بل في منظومة مترابطة؛ وهذا يعني أن إصلاح جزء منها بمعزل عن بقية الأجزاء قد لا ينتج سوى تحريك المشكلة من مكان إلى آخر.
فما جدوى تغيير الامتحان إذا بقيت طريقة التدريس قائمة على الحفظ؟ وما جدوى تحديث المناهج إذا لم يكن المعلم مهيأً لتدريسها؟ وما جدوى التوسع في المسارات المهنية إذا ظلت الثقافة الاجتماعية وسوق العمل ونظام القبول الجامعي ترسل رسائل متناقضة إلى الطالب؟ وما جدوى الحديث عن مهارات المستقبل إذا بقيت المدرسة تقيس قدرة الطالب على تذكر الإجابة أكثر مما تقيس قدرته على الوصول إليها؟
هذه ليست أسئلة اعتراض؛ بل أسئلة إصلاح.
المعضلة الأعمق هي غياب الإجابة الواضحة عن سؤال يبدو بسيطًا: ما مواصفات الطالب الأردني الذي نريد تخريجه؟
بعد اثني عشر عامًا من التعليم، ماذا ينبغي أن يكون قادرًا على فعله؟ هل يستطيع القراءة بفهم، لا بمجرد النطق؟ هل يستطيع كتابة فكرة متماسكة بلغته؟ هل يمتلك أساسًا علميًا ورياضيًا يمكنه البناء عليه؟ هل يعرف كيف يبحث عن المعلومة ويميز بين الصحيح والزائف؟ هل يستطيع حل مشكلة لم يحفظ حلها مسبقًا؟ هل تعلم الحوار، والعمل الجماعي، والانضباط، وتحمل المسؤولية؟ وهل يمتلك من هويته الوطنية ما يكفي ليعرف من هو، ومن الانفتاح المعرفي ما يكفي ليفهم العالم من حوله؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُبنى حولها المناهج والامتحانات والسياسات، لا العكس. فالمنهج أداة، والامتحان أداة، والتكنولوجيا أداة. أما الغاية فهي الإنسان الذي نريد بناءه.
ثم تأتي قضية صناعة القرار.
ليس من المنطقي أن يكون التعليم من أكثر القطاعات تعقيدًا، ثم نتعامل أحيانًا مع القرار التربوي وكأنه قرار إداري صرف.
التربية تخصص، والقياس والتقويم تخصص، وبناء المناهج تخصص، وعلم نفس التعلم تخصص، والإدارة المدرسية تخصص، والتعليم المهني تخصص.
ومن هنا يصبح من حق المجتمع أن يسأل عن مقدار حضور أصحاب الخبرة التربوية الحقيقية في صناعة القرار. ليس المقصود أن تُحصر الإدارة في فئة واحدة، فالتعليم يحتاج إلى الاقتصادي والتكنولوجي وعالم الاجتماع ورجل الإدارة أيضًا، لكن منظومة لا يكون التربوي في قلبها قد تفقد الاتصال بالصف الذي يفترض أنها جاءت لإصلاحه.
والمعيار الحاسم ليس عدد اللجان، بل نوع الخبرة الموجودة فيها، وكيفية اختيار أعضائها، ودرجة استقلال رأيهم، وما إذا كان القرار يمر فعلًا بمرحلة نقد واختبار قبل أن يصبح سياسة عامة.
ومن هنا يبرز سؤال الدراسات السابقة للقرار.
عندما يتغير نظام تعليمي يمس آلاف الطلبة، ينبغي أن تكون هناك إجابات واضحة عن أربعة أمور: ما المشكلة؟ ما حجمها؟ ما الخيارات البديلة؟ وما الآثار المتوقعة لكل خيار؟
وفي السياسات التربوية الحديثة، لا يكفي الاعتماد على الانطباع أو الخبرة الشخصية، مهما كانت مهمة. القرار الجيد يحتاج إلى بيانات، وتجربة، ومقارنة، وقياس للأثر. والأهم أنه يحتاج إلى آلية للتراجع إذا أثبت الواقع أن الفرضية التي بُني عليها لم تكن صحيحة.
ذلك أن التراجع عن سياسة ثبت ضعفها ليس هزيمة للإدارة، بل علامة نضج مؤسسي. المشكلة تبدأ حين يصبح الدفاع عن القرار أهم من تقييم القرار نفسه.
وفي قلب هذه المنظومة يقف المعلم.
كل إصلاح تعليمي لا يجعل المعلم مركزه الحقيقي سيظل إصلاحًا ناقصًا، لأن العملية كلها تنتهي في نهاية المطاف داخل الصف. قد تضع الوزارة أفضل منهج، وقد تستثمر في التكنولوجيا، وقد تغير نظام الامتحان، لكن الطالب يتعلم في اللحظة التي يستطيع فيها المعلم أن يحول المعرفة إلى فهم.
ومن هنا فإن الحديث عن إصلاح التعليم يجب أن يبدأ من نوعية من يدخل مهنة التعليم، وكيف يُعد، وكيف يُدرب، وما الحوافز التي تدفعه إلى التطور، وكيف يُقيم أداؤه، وما المكانة المهنية التي تمنحها الدولة له.
ولا تعارض بين احترام المعلم ومساءلته. بل إن احترام المهنة يقتضي وجود معايير حقيقية للأداء، تكافئ المتميز وتدعم من يحتاج إلى التطوير وتحاسب من يصر على التقصير. فالطالب لا ينبغي أن يدفع ثمن ضعف النظام في اختيار معلميه أو تدريبهم.
ومثلما ينبغي أن نتوقف عند المعلم، ينبغي أن نتوقف عند الطالب والأسرة.
كثرة التغيرات في الأنظمة التعليمية لها كلفة لا تظهر دائمًا في القرارات الرسمية. فالطالب يحتاج إلى شعور بالاستقرار، والأسرة تحتاج إلى فهم واضح للمسار الذي يسلكه ابنها، والمدرسة تحتاج إلى وقت كي تستوعب أي تحول جديد.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل نغير؟ بل: كيف نغير، وبأي سرعة، وبعد أي اختبار؟
هناك فرق بين نظام مرن يتطور باستمرار، ونظام يشعر الناس داخله أن قواعد اللعبة نفسها قابلة للتبدل في كل مرحلة. الثقة عنصر تربوي أيضًا. وحين يفقد الطالب والأسرة والمعلم الثقة باستقرار السياسات، يصبح عدم اليقين نفسه جزءًا من المشكلة.
وتبقى سمعة التعليم الأردني قضية لا ينبغي التعامل معها بالحنين.
للأردن تاريخ تعليمي معروف، وأسهم معلموه وخريجوه في دول عديدة، لكن السمعة السابقة لا تكفي للحكم على الواقع الحالي. الأنظمة التعليمية لا تُقاس بتاريخها، بل بمخرجاتها الراهنة.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل كان التعليم الأردني قويًا؟ بل: هل هو اليوم يتحسن أم يتراجع؟
وحتى يكون الجواب علميًا، نحن بحاجة إلى مؤشرات تُقرأ بانتظام: مستوى القراءة، والرياضيات، والعلوم، والمهارات الرقمية، والانتقال من المدرسة إلى الجامعة، والانتقال من الجامعة إلى سوق العمل، ونسب البطالة بحسب التخصص، والفروق في الأداء بين المناطق والمدارس.
عندما تصبح هذه المؤشرات جزءًا من النقاش العام، يتراجع الجدل القائم على الانطباعات. ولا يعود أحد مضطرًا إلى القول إن التعليم ممتاز أو منهار. الأرقام هي التي تتكلم.
غير أن المسألة الأعمق من كل ذلك هي طبيعة إدارة الملف نفسه.
التعليم يحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تؤتي السياسة الواحدة نتائجها، بينما أعمار الحكومات والمسؤولين أقصر بكثير. وهنا تكمن مشكلة مؤسسية معروفة: كيف نحمي السياسات طويلة الأمد من التقلب الإداري قصير الأمد؟
الحل ليس في منع التغيير، بل في إيجاد مرجعية وطنية مستقرة تحدد الغايات الكبرى، بحيث يستطيع كل مسؤول أن يطور الوسائل من دون أن يعيد تعريف المشروع كله.
فالدولة التي تعرف أين تريد أن يصل تعليمها بعد عشرين عامًا لا تبدأ من جديد كلما تغير وزير. وهذا ربما يكون أحد أهم معايير نضج النظام التعليمي: أن تكون المؤسسة أقوى من الشخص، والذاكرة أقوى من المزاج الإداري، والهدف أطول عمرًا من الحكومة.
ومن هنا يمكن طرح فكرة تستحق التفكير الجاد: لماذا لا يكون للتعليم الأردني تقرير وطني دوري يقدَّم للرأي العام ومؤسسات الدولة بلغة واضحة ومباشرة؟
ليس تقريرًا للاحتفاء بالإنجازات، بل تقرير حالة. أين تقدمنا؟ أين تراجعنا؟ ما الذي نجح؟ ما الذي لم ينجح؟ ما أهداف السنوات المقبلة؟ ومن المسؤول عن تحقيقها؟
التعليم يحتاج إلى كشف حساب للنتائج، لا إلى كشف حساب بعدد المؤتمرات والاجتماعات والبرامج.
فالهدف النهائي ليس أن نقول إننا دربنا آلاف المعلمين، بل أن نعرف إن كان تدريبهم قد حسن تعلم الطلبة. وليس المهم عدد الأجهزة التي دخلت المدارس، بل ما إذا أصبحت أداة تعلم حقيقية. وليس المهم عدد القرارات الصادرة، بل أثرها. هكذا فقط يتحول التعليم من إدارة نشاط إلى إدارة نتائج.
أما القول إن التعليم قضية أمن وطني، فليس تعبيرًا إنشائيًا.
الأمن الوطني الحديث لا يبدأ عند الحدود وحدها؛ بل يبدأ من قدرة المجتمع على إنتاج مواطن يعرف، ويفكر، ويميز، ويعمل. المدرسة الجيدة لا تنتج عاملًا أكثر كفاءة فقط، بل تنتج مواطنًا أقل قابلية للخداع والتطرف والإشاعة، وأكثر قدرة على فهم حقوقه وواجباته، وأقدر على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
وهذا هو المعنى الحقيقي لأمن العقل.
ومن هذه الزاوية، فإن التعليم ليس شأن وزارة التربية وحدها. إنه شأن الاقتصاد والجامعات وسوق العمل والثقافة والإعلام والأسرة والتحول الرقمي ومؤسسات الدولة كافة. وحين تعمل هذه الأطراف في اتجاهات متعارضة، لا يستطيع الطالب وحده أن يحل التناقض.
لهذا فإن السؤال اليوم لا ينبغي أن يكون: هل نريد إصلاح التعليم؟ لا أحد سيقول لا.
السؤال الأصعب هو: هل نملك نظامًا قادرًا على إنتاج الإصلاح ذاته بصورة علمية ومستقرة؟
هل نملك قرارًا مبنيًا على الدليل؟ هل نستمع إلى الميدان قبل اتخاذه؟ هل نجرب قبل التعميم؟ هل نقيس بعد التنفيذ؟ هل نعلن النتائج؟ هل نملك شجاعة التصحيح؟ وهل توجد جهة واضحة يمكن أن تسأل بعد سنوات: ماذا وعدتم، وماذا تحقق؟
هذه الأسئلة لا تُضعف الدولة. على العكس، هي التي تحميها من كلفة القرارات التي لا تُكتشف أخطاؤها إلا بعدما يصبح تصحيحها أصعب.
فالأردن، بحكم موارده وتاريخه، لا يملك ترف الاستهانة بالتعليم. رأس ماله الحقيقي هو الإنسان. وحين يكون الإنسان هو الثروة، يصبح التعليم هو الاستثمار السيادي الأكبر.
ولهذا فإن أعظم سؤال يمكن أن تضعه الدولة أمام نفسها ليس: كم أنفقنا على التعليم؟ بل: ما الذي أصبح عليه عقل الأردني نتيجة ما أنفقناه؟
هذه هي المسألة. وهذا هو الامتحان الحقيقي.
فالتعليم لا يحتاج مزيدًا من المجاملة، لكنه كذلك لا يحتاج صخبًا. يحتاج إلى علم، واستقرار، وذاكرة مؤسسية، وجرأة في الاعتراف بالخطأ، ومساءلة تحاسب على النتائج لا على النوايا.
وعندها فقط نستطيع أن نجيب، بثقة لا بشعار، عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما يجري إصلاح للتعليم الأردني... أم إدارة متعاقبة لأزماته؟
فالخطأ في التعليم لا ينتهي بانتهاء القرار. إنه يكبر مع الطفل، ويمشي معه إلى الجامعة، ثم يدخل معه إلى سوق العمل، وقد يصل، بعد سنوات، إلى مكتب صانع القرار نفسه.
لهذا كان التعليم وسيبقى أكثر من ملف حكومي. إنه المكان الذي تصنع فيه الدولة مستقبلها قبل أن تراه.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)