
د. زياد أبو الرب - الجامعة الألمانية الأردنية
لم يعد التحدي أمام الجامعات اليوم هو مواكبة التكنولوجيا، بل القدرة على إعادة تعريف نفسها قبل أن تُعاد صياغتها من الخارج. فالعالم لا ينتظر المؤسسات المترددة، وسوق العمل لا يكيّف نفسه مع بطء التغيير الأكاديمي، والتكنولوجيا لا تراعي الهياكل الجامدة.
منذ أكثر من ثمانية قرون، تأسست الجامعة على ثلاثة أعمدة لا يجوز التفريط بها: إنتاج المعرفة، وصون الحرية الأكاديمية، وبناء العقل النقدي. هذه ليست ثوابت رمزية، بل شروط وجود. فالجامعة التي تتحول إلى مزود خدمة تعليمية، مهما بلغت تقنيتها، تفقد رسالتها الحضارية.
غير أن الدفاع عن الثابت لا يعني إنكار المتغير. الذكاء الاصطناعي اليوم لا يقدّم أدوات مساعدة فحسب، بل يعيد تشكيل بيئة المعرفة نفسها. الطالب قادر على الوصول الفوري إلى تحليل، ومحاكاة، وإجابات متقدمة، ما يفرض تحولًا في دور الأستاذ من ناقل معرفة إلى مصمم تجربة تعلم، ومرشد منهجي، وحارس جودة معرفية. السؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستخدمه دون أن يتحول إلى بديل عن التفكير العميق أو تهديد للنزاهة الأكاديمية؟
التحول الرقمي لا يتحقق بشراء منصات أو إدخال نظم تعلم إلكتروني. جوهر التحول يكمن في إعادة تصميم البرامج التعليمية على أساس مخرجات تعلم واضحة، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، وتفعيل التقييم المستمر بوصفه أداة تحسين لا أداة قياس فقط . الرقمنة الشكلية تعيد إنتاج المحتوى التقليدي في قالب جديد، لكنها لا تغيّر جوهر التعلم.
في السياق الأردني، يبرز تحدٍ بنيوي أكثر حساسية: الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد. يدخل إلى سوق العمل سنويًا ما يقارب 120 ألف خريج، في حين لا تتجاوز فرص الاستيعاب نصف هذا الرقم تقريبًا. لكن المشكلة ليست عددية بحتة؛ إنها مسألة نوعية. نوعية المهارات، وبنية التخصصات، وضعف التكامل بين السياسات التعليمية وخطط التنمية.
الأدبيات المعاصرة في التعليم الريادي تؤكد أن الجامعة لم تعد مطالبة بإعداد باحثين عن عمل، بل صانعي فرص، يمتلكون مهارات المبادرة، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية . لكن إدخال مساق في ريادة الأعمال لا يكفي إذا بقيت الثقافة المؤسسية قائمة على الامتحان التقليدي، والتلقين، والمقاومة الصامتة لأي تغيير يمس أنماط التدريس أو أنظمة الترقية.
وهنا تبرز قضية الحوكمة. فالأطر الوطنية للاعتماد وضمان الجودة توفر أدوات مهمة لتحسين الأداء ، كما أن معايير التصنيف الأردني للجامعات تركز على جودة التعليم والتعلم، والبحث العلمي، وجودة الخريجين . غير أن هذه الأدوات قد تتحول إلى عبء شكلي إذا لم تُترجم إلى ثقافة مؤسسية. الجودة ليست ملفًا يُعدّ للتقييم، بل ممارسة يومية تنعكس في تصميم المقرر، وطريقة التقييم، وعلاقة الأستاذ بالطالب.
إن مفهوم "الجامعة الذكية" لا ينبغي أن يُختزل في البنية الرقمية. الجامعة الذكية هي التي تستخدم البيانات لتحسين قراراتها الأكاديمية، وتعيد تصميم مسارات القبول بما ينسجم مع متطلبات التخصصات، وتوفر سنة تأسيسية أو مسارات جسرية للطلبة في المجالات التي تتطلب مهارات علمية متقدمة بدل الاكتفاء بالرفض أو التخفيض التدريجي للمعايير. وهي التي تتحول إلى منصة تعلم مدى الحياة، تقدم شهادات مصغرة، وبرامج تنفيذية، وشراكات حقيقية مع الصناعة، بحيث يصبح التعلم مسارًا مستمرًا لا مرحلة عمرية.
لكن هذا التحول يواجه عائقًا صريحًا: ثقافة مؤسسية محافظة، وبيروقراطية إجرائية، ومركزية في اتخاذ القرار تحد من مرونة التعديل والتطوير. الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بإضافة مساقات جديدة أو تحديث مسميات، بل بإعادة النظر في بنية البرامج، ونظام القبول، وآليات التقييم، ونموذج التمويل.
إن إدارة العلاقة بين الثابت والمتغير تقتضي ثلاث خطوات حاسمة:
أولًا، حماية الجوهر الأكاديمي من الاختزال التقني، عبر ترسيخ البحث العلمي والتفكير النقدي كقيمة غير قابلة للمساومة.
ثانيًا، إعادة تصميم مسارات القبول والبرامج بما يحقق مواءمة فعلية مع احتياجات الاقتصاد الوطني، بما في ذلك تطوير مسارات تأسيسية مرنة.
ثالثًا، تنويع مصادر الدخل عبر برامج مهنية وتنفيذية، وشهادات مصغرة، وشراكات إنتاجية، بما يخفف الضغط عن البرامج التقليدية عالية الكلفة.
الجامعة التي لا تعيد تعريف نفسها اليوم، ستتحول تدريجيًا إلى مؤسسة تدير الماضي بدل أن تصنع المستقبل. أما الجامعة التي تدير التحول بوعي، وتحمي جوهرها وهي تطور أدواتها، فستبقى مركزًا للمعرفة، لا مجرد محطة عبور. فالمستقبل لا يطلب منا أن نتخلى عن جذورنا، بل أن نملك شجاعة إعادة تعريفها في ضوء واقع جديد.


اضف تعليقك