
طلبة نيوز - د. زياد أبو الرُّب - الجامعة الألمانية الأردنية
في كل نقاش حول التعليم الجامعي، يبدو أننا نتحرك داخل دائرة واسعة من الأفكار المتداولة. نعيد الحديث عن التخصصات، ونستدعي سوق العمل، ونتوقف عند التحول الرقمي، ونعلّق آمالًا كبيرة على مفاهيم تتغير مسمياتها بسرعة. هذا الحراك الفكري صحي وضروري، لكنه يفتح بابًا لسؤال هادئ يستحق التأمل أكثر مما يستحق الجدل: لماذا تبقى الفجوة بين ما نعرفه وما نطبقه واسعة إلى هذا الحد؟
قد لا تكون المشكلة في نقص الرؤى أو ضعف التشخيص. على العكس، أصبح التعليم العالي من أكثر القطاعات إنتاجًا للأفكار والخطط والاستراتيجيات. ومع ذلك، يظهر التحدي الحقيقي في المسافة الفاصلة بين الوعي بالمشكلة والقدرة على تحويل هذا الوعي إلى تغيير ملموس ومستدام. هنا لا نتحدث عن خلل بقدر ما نتحدث عن منظومة معقدة تتداخل فيها الأدوار، وتتوزع فيها المسؤوليات، وتغيب عنها أحيانًا لحظة التوقف الضرورية للمراجعة.
في هذه المنظومة، يتحمل كل طرف جزءًا من المسؤولية. الطالب يُطلب منه أن يكون أكثر وعيًا بخياراته، وأكثر قدرة على التكيف مع واقع متغير. عضو هيئة التدريس يُنتظر منه أن يطوّر أدواته، ويواكب التحولات المعرفية والتقنية، ويوازن بين أدواره الأكاديمية المختلفة. الجامعة كمؤسسة تسعى إلى تحقيق الجودة، وتعزيز سمعتها، وضمان استدامتها. لكن ما يحتاج إلى إضاءة فكرية أعمق هو العلاقة بين القرار التعليمي ونتائجه، لا من زاوية المحاسبة الصارمة، بل من زاوية التعلم المؤسسي المستمر.
حين نعرف أن بعض البرامج لم تعد تحقق الأثر المتوقع، فإن السؤال لا يكون لماذا وُجدت، بل كيف نراجعها، ومتى، وبأي أدوات. وحين نلاحظ أن سوق العمل يتغير بوتيرة أسرع من الخطط الدراسية، فإن التحدي لا يكمن في تحميل طرف واحد المسؤولية، بل في بناء آليات أكثر مرونة تسمح بالتفاعل بين التعليم والاقتصاد دون توتر. وحين نؤمن بأهمية التعليم المهني، أو التعلم المستمر، أو المهارات العابرة للتخصصات، فإن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه القناعات إلى مسارات واضحة ومعترف بها داخل المنظومة التعليمية.
الحديث عن المراجعة لا يعني التقليل من الجهود المبذولة، ولا التشكيك في النوايا، بل هو تعبير عن نضج التجربة. الأنظمة التي تتقدم هي تلك التي تملك القدرة على التعلم من ذاتها، وطرح سؤال بسيط في ظاهره وعميق في جوهره: ماذا تعلّمنا مما جربناه؟ هذا السؤال، حين يُطرح بهدوء، يفتح باب التطوير بدل أن يفتح باب اللوم.
التعليم الجامعي اليوم يقف عند مفترق يتطلب لغة جديدة في التفكير. لغة لا تبحث عن طرف مخطئ، بل عن نموذج أكثر توازنًا بين الطموح والواقع، وبين الاستقرار والتغيير، وبين الرسالة الأكاديمية ومتطلبات الحياة. هذه اللغة تبدأ من الاعتراف بأن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن الأفكار مهما كانت متقدمة تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالتحول إلى ممارسة مؤثرة.
ربما يكون الدور الأهم في هذه المرحلة هو تعزيز الثقة بين مكونات المنظومة التعليمية، عبر حوار صريح لكنه غير صدامي، نقدي لكنه غير إقصائي. حوار يعترف بالتعقيد، ويقدّر الجهد، ويؤمن بأن التطوير الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تراكم مراجعات هادئة وشجاعة.
في النهاية، التعليم ليس مشروعًا مكتملًا، بل مسارًا يتطور بتعلمه من نفسه. وكلما اقتربنا من هذا الفهم، أصبح التغيير أقل توترًا، وأكثر عمقًا، وأكثر قدرة على خدمة الطالب، والجامعة، والمجتمع في آن واحد.


اضف تعليقك