
طلبة نيوز- الدكتور بسام ابو خضير
تتسارع في الالفية الثالثة ثورة معرفية وتكنولوجية لا ترأف بالمتخلفين عنها أو الغافلين عن أهميتها حاضراً أو مستقبلاً, وملامح نظام عالمي جديد بدأت تتشكل أبعاده في ظل عالم تلاشت الحدود بين دوله بفعل النمو المتسارع لتقنيات وأدوات وأساليب الاتصال وانتشار المعرفة والتواصل على المستويين الفردي والجماعي
وقد جاءت رؤى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه منسجمة مع هذه المستجدات باعتبار أن العنصر البشري هو محور الاهتمام والمدخل الأساسي للتنمية والتطوير استجابة لتلك التحديات وان اقتصاديات المعرفة الناجمة عن التنمية البشرية تدفع باتجاه زيادة الناتج المحلي الإجمالي والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع الدخل وتعاظم مستوى المعيشة.
وانطلاقا من كون مؤسسات التعليم العالي معنية بإعداد وتنمية الكوادر البشرية وتأهيلها وتطوير قدراتها,وكون مخرجاتها من أهم مقاييس التنمية المستدامة فقد أولى جلالة الملك التعليم العالي جل اهتمامه سعياً لإحداث نقلة نوعية في هذا النظام بمكوناته كافة, وتمثلت رؤية جلالته بتوفير بيئة تعليمية متميزة ومنافسة للمواطن الأردني لخلق جيل قادر على مواجهة تحديات الواقع والمستقبل إيماناً منه بأن الاستثمار في رأس المال البشري هو أسمى أنواع الاستثمار الاقتصادي بعيد المدى.
فقد شهد التعليم العالي في المملكة في مطلع هذه الألفية تطوراً ملحوظاً في أنماطه وأساليبه ومجالاته وذلك استجابة للتحديات التي واجهته, ولعل من ابرز هذه التطورات والانجازات التوسع الكمي والنوعي الملحوظ في عدد مؤسساته والبرامج القائمة وأعداد الملتحقين به, إضافة إلى النقلة النوعية والتي تبلورت في إنشاء هيئة مستقلة لاعتماد مؤسسات التعليم العالي والتي جاءت من اجل ضمان سوية مخرجات هذه المؤسسات وتأكيد جودتها وجسر الفجوة يبن مخرجاتها من جهة وحاجات سوق العمل من جهة أخرى وكفلت تطبيقاً كاملاً لمعايير الاعتمادين العام والخاص.
كما أن إنشاء صندوق متخصص لدعم البحث العلمي أسهم بشكل ملحوظ في دعم مشاريع الأبحاث على المستوى الوطني وإعادة هيكلتها وترتيب أولوياتها بما ينسجم مع الحاجات الوطنية المعاصرة,ووفر الدعم المالي اللازم لطلبة الدراسات العليا المتفوقين أكاديمياً لمتابعة دراساتهم العليا,ليكونوا رافداً غنياً لجامعاتنا ومؤسساتنا كافة.
وبفضل رعاية جلالته الحكيمة فقد تمت حوسبة العمليات الإدارية والتعليمية في الجامعات الرسمية بهدف تطوير العملية التعليمية والمناهج التدريسية وانتشار حاضنات تكنولوجية في هذه الجامعات تكفل رعاية الأفكار والإبداع الريادي.
كما أن مشروع تطوير التعليم العالي نحو الاقتصاد المعرفي أسهم في تطوير القطاع في مجال الإدارة الجامعية والحاكمية الرشيدة والاعتماد وضبط الجودة وتمويل الجامعات وتطوير كليات المجتمع ودعم البرامج التنافسية وزيادة عدد المستفيدين من المنح والقروض المقدمة للطلبة.
كما جاء إنشاء نظام إدارة المعلومات التعليمية (EMIS) انجازاً مهماً لتوفير البيانات والمعلومات عن قطاع التعليم العالي في كل ما يتضمنه من عناصر ومجالات ولتوفر البيئة المناسبة لاتخاذ القرارات الصائبة نحو تطوير التعليم العالي وتنميته.
إن المتتبع لمسيرة التعليم العالي في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه يرى مقدار الاهتمام الذي يوليه جلالته لهذا القطاع من خلال توجيهاته المباشرة للحكومات المتعاقبة واللقاءات المستمرة مع المعنيين بالعملية الأكاديمية والإدارات الجامعية على حد سواء حيث أكد جلالتة في كتب التكليف السامية لرؤساء الحكومات المتعاقبة ضرورة الاهتمام بالتعليم العالي والبحث العلمي, وتحسين مستواهما ووضع معايير واضحة ودقيقة عامة وخاصة لمؤسسات التعليم العالي والتخصصات القائمة فيها بشكل يكفل خريجين متميزين قادرين ومؤهلين للتعامل مع مختلف التطورات التكنولوجية والتقنية.
وقد أكد جلالته في خطاب وجهه إلى الشباب الأردنيين أثناء زيارة جلالته إلى الجامعة الهاشمية في السادس عشر من أيار عام 2006 ضرورة مواكبة الشباب للتقدم الفني والتكنولوجي والتركيز على التعلم التقني الذي يمكنهم من الدخول لسوق العمل بكفاءة عالية وقدرتهم على التميز والإبداع, وبين أن القدرات والمهارات التكنولوجية والإدارية متطلب أساسي لمواجهة تحديات المستقبل.
كما أكد جلالتة في السادس والعشرين من نيسان عام 2007 حينما خاطب رؤساء الجامعات الأردنية والمسؤولين عن التعليم العالي مؤكداً ضرورة وضع خطة واضحة للتعليم العالي لتحسين نوعيته وجودته ويضمن للطلبة الحق في دراسة جامعية ذات مخرجات عالية الجودة تمكنهم من المنافسة في السوق العالمية.
كما دعا جلالته خلال لقائه رؤساء الجامعات الرسمية في الرابع عشر من أيلول عام 2008 لبحث سبل الارتقاء بمؤسسات التعليم العالي لتلعب دوراً اكبر في تنمية المجتمعات المحلية من خلال بناء شراكة حقيقية مع هذه المجتمعات والتواصل معها, وضرورة مشاركة الطلبة في الحياة العامة وإشراكهم في صنع القرار
كما أوعز جلالة الملك في اليوم الأول من العام الدراسي الجامعي 2008/2009 إلى بلورة الأفكار والمقترحات التي قدمها رؤساء الجامعات في خطة عمل شاملة, مؤكداً جلالته أهمية استقلال الجامعات وتشكيل مجالس أمنائها,وتوفير الدعم المالي للجامعات وتوفير البيئة التعليمية المثلى للطلبة بإكسابهم المميزات التنافسية على المستويين المحلي والدولي.
وقد أكد جلالة الملك في كتاب التكليف السامي في التاسع من كانون الأول عام 2009 الاهتمام بالإنسان الأردني باعتباره محور العملية التربوية برمتها وهو وسيلتها وغايتها موضحاً معالم استراتيجية لأردن المستقبل في التركيز على الاستثمار في الإنسان الأردني المبدع المتميز في عطائه والذي يعد ثروة وطنية حقيقية وأكد على تطوير التعليم الجامعي والتوسع في مجالات التعليم المهني بما يتواءم مع متطلبات سوق العمل ووضع البرامج العملية لإطلاق طاقات الشباب وإمكانياتهم وتسليحهم بالعلم والمعرفة لبناء وطنهم بكفاءة واقتدار.
وفي كتاب التكليف السامي لدولة معروف البخيت في الأول من شباط عام 2011 جاءت تأكيدات جلالتة على " إجراء مراجعة شاملة لإدارة التعليم العالي والجامعي, لضمان عودة جامعاتنا منارات علم وإبداع واسعة الرحاب الفكرية, تبني الهوية الوطنية, وتصقل شخصيات الشباب على قيم الانفتاح والتعددية والتفكير النقدي الخلاق, وتنهي ظاهرة العنف التي أخذت تتمدد في أوساطها , واكد جلالته " تبني السياسات التي تزيل مشاعر الإحباط المنتشرة بين جيل الشباب, نتيجة شعورهم بغياب المساواة في الفرص وانتشار الوساطة والمحسوبية".وفي كتاب التكليف السامي لدولة عبدالله النسور في التاسع من اذار 2013 جاءت تأكيدات جلالته "على الارتقاء بنوعية الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المجالات ،والتركيز على قطاعات الصحة التعليم والتدريب والتشغيل و بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل وضمان تحقيق أعلى درجات المساواة والعدالة في الحصول على هذه الخدمات"
واستجابة للتوجيهات الملكية فقد قامت هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي بتطبيق معايير الاعتمادين العام والخاص على الجامعات الرسمية والخاصة على حد سواء لضمان سوية الأداء وتطويره وضبط جودته ,وتم تشكيل العديد من اللجان المتخصصة والتي بدورها قامت بدراسة معايير الاعتماد العام في الجامعات كافة وكذلك معايير الاعتماد الخاص في التخصصات القائمة , وقدمت التوصيات والأفكار المفيدة ووضعت المؤشرات الكفيلة لضمان سلامة العملية التعليمية.كما قامت بتطوير مؤشرات للجودة بغية ضمان جودة مخرجات مؤسسات التعليم العاليمن من خلال الاهتمام بالمدخلات والعمليات
ولا يغيب عن البال ما يقدمه صندوق دعم البحث العلمي في دعم الاقتصاد الوطني ودعم البحوث العلمية وخاصة منها التطبيقية,حيث تم دعم الكثير من المشروعات البحثية وصلت اكثر من 280 مشروعا وبقيمه ماليه تجاوزت 20 مليون دينار والتي تعتبر نتائجها إضاءات مهمة على طريق التطوير والتحديث والتنمية.
كما تم تقديم الدعم لمئات الطلبة في برامج الدراسات العليا إضافة إلى دعم المؤتمرات العلمية المتخصصة التي تعقدها الجامعات الاردنية ودعم المجلات العلمية ألاردنية المحكمة والبالغ عددها (22)مجلة متوطنة في الجامعات الاردنية ودعم برامج وطنية مختلفة ابرزها إنشاء مركز الملك عبدالله الثاني بن الحسين للتكنولوجيا النانوية ودعم مركز التميز لقواعد البيانات وغيرها من البرامج المختلفة
وعلى صعيد دعم الطلبة الدارسين في الجامعات الأردنية فإنه يتم تقديم المنح والقروض الدراسية لأكثر من (30) ألف طالب وطالبة من الطلبة المتفوقين والمحتاجين الدارسين في الجامعات الرسمية سنويا
كما تمت مراجعة التشريعات الناظمة للتعليم العالي وتطويرها وتحديثها بما ينسجم مع واقع المستجدات المعاصرة.حيث يعرض حاليا في ديوان التشريع مشروع قانون مجلس التعليم العالي لاخراجه بصورة تتسق مع معطيات العصر ومتطلباته .كما تم حوسبة اعمال الوزارة وخدماتها بشكل وفر الكثير من الجهد والوقت على متلقي الخدمة في مجالات القبول الموحد و معادلة الشهادات والبعثات .
وعلى صعيد آخر فإن استراتيجية قطاع التعليم العالي والبحث العلمي ركزت في مضمونها على مجموعة من المحاور تراوحت بين الحاكمية والإدارة الجامعية وأسس القبول والاعتماد وضبط الجودة والبحث العلمي والدراسات العليا والتعليم التقني والتكنولوجي وتمويل الجامعات والبيئة الجامعية وتضمنت مجموعة من الخطط التنفيذية الهادفة إلى تحقيق استقلالية الجامعات وتوسيع صلاحيات مجالس أمنائها وتأهيل قياداتها الأكاديمية والإدارية واعتماد مبدأ الشفافية والمساءلة في تعزيز الأداء المؤسسي وتقييم الإدارة الجامعية وتطوير أسس القبول ومعاييره بما يضمن تطبيق العدالة وتكافؤ الفرص وتطوير الخطط والبرامج الدراسية وتحديثها يما يتوافق ومتطلبات التنمية الوطنية العربية ومراعاة التطورات العلمية والتكنولوجية على المستوى العالمي .وعلى الرغم مما تم انجازه فإن علينا عمل الكثير لنصل الى مستوى طموح القائد الرائد جلالة الملك عبدالله الثاني والذي نستمد من جلالته مؤونة عزمنا نحو بناء وطن آمن ومنيع ،اطال الله في عمر جلالته وأبقاه سندا لاردننا الحبيب وشعبه الوفي .


اضف تعليقك