TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
الجامعات الأردنية ومؤشر النزاهة البحثية RI²: بين الحقيقة والتأويل
09/07/2025 - 10:00pm

طلبة نيوز - بقلم: أ.د. حكم سالم شطناوي – عميد شؤون الطلبة - جامعة اليرموك
في تصريح أثار جدلاً واسعًا في الأوساط الأكاديمية الأردنية، نسب لمعالي وزير التعليم العالي ويتحدث عن أن جميع الجامعات الأردنية الرسمية "وضعها غير سليم" على مؤشر النزاهة البحثية (RI²)، مشيرًا إلى أن معظمها صُنفت باللون الأحمر – وهو أسوأ تصنيف ممكن – فيما جاءت جامعتان في الفئة البرتقالية (خطورة مرتفعة)، وجامعة واحدة في اللون الأصفر (وضع مقلق)، ولم تُصنَّف أي جامعة أردنية ضمن الفئة الخضراء أو البيضاء، التي تدل على الوضع الطبيعي أو النزاهة العالية.
هذا التصريح، رغم أهميته في إثارة قضية النزاهة البحثية، يستدعي التوقف والتأمل، سواء من حيث دقة المؤشر نفسه، أو من حيث مشروعية استخدامه لإدانة مؤسسات أكاديمية كاملة وباحثين مجتهدين، دون التمييز بين الفعل الفردي والخلل المؤسسي، وبين الشبهة المؤقتة والتقصير المنهجي.
أولًا: ما هو مؤشر RI²؟
مؤشر RI² (Research Integrity Risk Index) هو مقياس تم تطويره حديثًا في حزيران 2025 على يد الباحث اللبناني الدكتور لقمان مهو، الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت. يهدف المؤشر إلى قياس مستوى مخاطر النزاهة العلمية داخل الجامعات، ولا يُعنى بحجم النشر أو عدد الاقتباسات، بل يركّز على البعد النوعي والأخلاقي في الأداء البحثي.
ويعتمد RI² على مؤشرين مركزيين:
1. معدل سحب المقالات (Retraction Rate): أي عدد المقالات التي تم سحبها من المجلات بسبب التزوير، أو الانتحال، أو أخطاء جسيمة في المنهجية، ويتم حسابها لكل 1000 ورقة علمية.
2. معدل النشر في مجلات مشطوبة (Delisting Rate): أي نسبة المقالات المنشورة في مجلات تم حذفها من قواعد البيانات العالمية مثل Scopus وWeb of Science لعدم التزامها بالمعايير الأكاديمية.
يتم دمج هذين المعدلين لإنتاج درجة واحدة من 0 إلى 1، يتم بناءً عليها تصنيف المؤسسات.
ثانيًا: هل يمكن اعتماد هذا المؤشر للحكم على الباحثين أو الجامعات؟
رغم أهمية مؤشر RI² كأداة تحليل وتشخيص تحذيري، إلا أن هناك جملة من النقاط التي تجعل استخدامه بشكل حاسم لإدانة مؤسسات أو باحثين أمرًا إشكاليًا:
1. المؤشر لا يفرّق بين الخطأ الفردي والمنهجي: مقالة مسحوبة أو منشورة في مجلة مشبوهة قد تعود لفرد واحد، بينما تُحمَّل المؤسسة بأكملها المسؤولية. فهل من العدل أن يُوصم آلاف الباحثين في جامعة ما بسوء السلوك، بسبب خطأ اثنين أو ثلاثة منهم؟
2. لا يراعي فروق التخصص والبيئة البحثية: جامعات تتخصص في العلوم الإنسانية تختلف طبيعة إنتاجها عن جامعات تقنية أو طبية.
3. لا يُفرّق بين النشر بقصد التحايل والنشر بحسن نية: هناك باحثون نشروا في مجلات كانت مُدرجة ومعترفًا بها، ثم تم حذفها لاحقًا من Scopus أوWeb of Science. فهل يُعقل محاسبتهم بأثر رجعي؟ بل إن بعض المجلات تُشطب أحيانًا دون أسباب واضحة، نتيجة تغيّر سياسات الفهرسة.

ثالثًا: السياق الأردني بحاجة إلى تحليل أعمق
صحيح أن بعض الجامعات الأردنية قد تواجه تحديات في النزاهة البحثية، لكن التعميم الذي جاء فيما نسب للوزير يُشكل تجنيًا على مؤسسات وباحثين يعملون بجد في ظل ظروف صعبة: شح التمويل، ضعف الدعم اللوجستي، ضغوط الترقية، والبيئة البحثية المحدودة.
رابعًا: النزاهة لا تعني التخويف، بل التأسيس
نحن مع النزاهة، لا شك في ذلك، وندعو إلى تطبيقها قولًا وفعلًا. لكن النزاهة لا تُبنى بالاتهامات الجماعية ولا بالمؤشرات المجردة فقط، بل عبر إصلاح السياسات، وتحسين البيئة، وتعزيز ثقافة المسؤولية الفردية والمؤسسية.
فكما لا تُقاس جودة التعليم بعدد الشهادات، لا تُقاس جودة البحث بعدد السحوبات أو المجلات المحذوفة.
خامسًا: بين الأبيض والأحمر... مفارقة مؤلمة
من اللافت – بل والمقلق – في تقرير RI² للعام 2025، أن جميع الجامعات الإسرائيلية المصنفة ظهرت ضمن الفئة البيضاء، وهي الفئة التي تدل على التزام عالٍ بالنزاهة البحثية وانعدام شبهات التلاعب أو النشر المشبوه.
في المقابل، توزعت الجامعات العربية بين اللون الأحمر (خطورة شديدة)، والبرتقالي، والأصفر، دون أن تحظى أي جامعة عربية بتصنيف أبيض.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات مشروعة: هل الفارق سببه تفوق علمي فقط؟ أم أنه نتاج بيئة مؤسسية تُقدّس البحث العلمي وتديره بحوكمة صارمة في الحالة الإسرائيلية، مقابل غياب السياسات الواضحة، وضعف الرقابة، وافتقاد الدعم الحقيقي في كثير من جامعات العالم العربي؟
الأرقام لا تكذب، لكنها أيضًا لا تفسّر نفسها. وإن كان علينا أن نستخلص درسًا، فهو أن بناء منظومة نزاهة بحثية لا يبدأ بالتشهير بالمؤسسات، بل بإصلاح القواعد التي تحكمها، وبالاستثمار في الباحث قبل أن نُطالبه بالنتائج.
خلاصة القول:
يُعدّ مؤشر RI² أداة تحليلية نوعية تسهم في تسليط الضوء على مواطن الخلل المحتملة في ممارسات البحث العلمي، لكنه ليس محكمة تُصدر أحكامًا قاطعة، ولا يُفترض أن يُستخدم كأداة لإدانة جماعية تطال مؤسسات بأكملها دون تمييز. وإن استخدام هذا المؤشر يتطلب وعيًا سياقيًا، وقراءة دقيقة للبيئة البحثية، وتفريقًا واضحًا بين الأخطاء الفردية والمشكلات المؤسسية، وبين التعمد وسوء النية، وبين الهفوة غير المقصودة والسلوك الممنهج.
ومن هنا، يجب أن يُنظر إلى RI² كمنصة للإصلاح والبناء، لا كذريعة للتقريع والتشهير، وأن يُوظف كوسيلة لتحفيز التحسين والتطوير، لا كسلاح في وجه الباحثين والمؤسسات. فالباحثون الأردنيون ليسوا خصومًا، بل شركاء في بناء المعرفة الوطنية، والجامعات الأردنية ليست كيانات معزولة، بل مؤسسات وطنية لها رصيد من الجهد والعطاء ينبغي صونه. أما التصريحات الرسمية، مهما كانت النوايا خلفها، فلا بد أن تُقدَّم في سياق علمي متزن، قائم على أرقام موثقة، مع توفير حق الرد والتوضيح. فالسمعة الأكاديمية للأردن ليست ملفًا عابرًا، بل رصيد وطني استراتيجي يجب الحفاظ عليه بعناية ومسؤولية، لا المساس به دون تدقيق أو تروٍّ.
ملاحظة: (من أجل الشفافية والنزاهة) تم الاستعانة بمحركات البحث والمصادر المفتوحة للتعرّف بدقة على هذا المؤشر المثير للجدل.
الأستاذ الدكتور حكم سالم شطناوي – جامعة اليرموك

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)