TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
بيزا 2025: ماذا تقول النتائج عن تعليمنا؟
26/09/2026 - 9:45am

د. زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية
عندما تصدر نتائج اختبار دولي، نميل سريعاً إلى السؤال: ما ترتيب الأردن؟ من سبقنا؟ ومن أصبح خلفنا؟ لكن هذا ربما يكون أقل الأسئلة أهمية في اختبار "بيزا" (PISA). فالقيمة الحقيقية لهذا الاختبار ليست في ترتيب الدول، بل في السؤال الذي يطرحه على النظام التعليمي كله: بعد سنوات من الدراسة، ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلمه؟
اختبار "بيزا"، الذي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يجرى لطلبة في سن الخامسة عشرة تقريباً. وهو لا يركز على قدرة الطالب على استرجاع ما ورد في الكتاب المدرسي، بل على قدرته على استخدام المعرفة في القراءة والرياضيات والعلوم لفهم موقف جديد، وتحليل معلومة، وحل مشكلة، واتخاذ قرار مبني على الأدلة. وفي دورة 2025 توسع الاختبار أيضاً في قياس قدرة الطلبة على التعلم في العالم الرقمي واستخدام الأدوات الحاسوبية في حل المشكلات.
وهنا تكمن أهمية "بيزا" بالنسبة لنا. فنحن نغير المناهج، ونطور التوجيهي، وندخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى التعليم، لكن الاختبار يعيدنا إلى السؤال الأساسي: هل أصبح الطالب أفضل في التفكير والفهم والتطبيق؟
نتائج الأردن في 2025 تحمل خبراً جيداً. فبعد التراجع الكبير الذي ظهر في دورة 2022، تحسن أداء الطلبة الأردنيين في المجالات الثلاثة الرئيسة، وكان التحسن أوضح في العلوم، ثم الرياضيات والقراءة. والتقرير الدولي نفسه يضع الأردن ضمن مجموعة الدول التي استطاعت عكس اتجاه التراجع وتحقيق تقدم واضح خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
هذه النتيجة تستحق التقدير، لكنها تحتاج أيضاً إلى قراءة هادئة. فالتحسن لا يعني أننا وصلنا إلى المستوى الذي نطمح إليه، بل يعني أن الاتجاه تغير، وأن التعليم يمكن أن يتحسن عندما تتراكم الجهود وتصبح أكثر تركيزاً.
ولفهم حجم التحدي، ربما يكفي رقم واحد. اختبار "بيزا" يقسم أداء الطلبة إلى مستويات، ويعتبر المستوى الثاني الحد الأدنى من الكفاءة التي يحتاجها الطالب حتى يستطيع استخدام المعرفة الأساسية في مواقف مألوفة. في العلوم مثلاً، يستطيع الطالب عند هذا المستوى تفسير ظاهرة بسيطة، وقراءة بيانات مباشرة، والتمييز بين دليل علمي وغير علمي بصورة أولية. أما المستويات الأعلى فتتطلب تحليلاً أعمق وقدرة على التعامل مع معلومات ومواقف أكثر تعقيداً.
في الأردن، ما يقارب نصف الطلبة كانوا دون هذا الحد الأدنى في العلوم والرياضيات والقراءة معاً. وهذه ربما أهم رسالة في التقرير كله. فالقضية ليست فقط أن متوسط الأردن أقل من متوسط الدول المتقدمة، بل أن شريحة كبيرة من أبنائنا تصل إلى الخامسة عشرة وما تزال بحاجة إلى تعزيز مهارات أساسية في الفهم والاستدلال والتطبيق. وفي المقابل، ما يزال عدد الطلبة الذين يصلون إلى مستويات الأداء العليا محدوداً جداً.
وهذا يجعل التحدي مزدوجاً: كيف نقلل عدد الطلبة الذين لا يمتلكون الكفايات الأساسية؟ وكيف نخلق في الوقت نفسه بيئة تسمح للطلبة المتميزين بالوصول إلى مستويات أعلى من الإبداع والتحليل؟
لكن التقرير لا يقدم صورة سلبية فقط. فمن النتائج اللافتة في الحالة الأردنية أن الفروق المرتبطة بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية أقل من كثير من الدول الأخرى. وهذا يعني أن المدرسة الأردنية، رغم تحدياتها، ما تزال تمتلك قدراً مهماً من القدرة على منح الطلبة فرصاً متقاربة. والمطلوب ليس أن نخسر هذه الميزة ونحن نسعى إلى تحسين الأداء، بل أن نجمع بين أمرين يصعب أحياناً الجمع بينهما: العدالة والتميز.
كما تكشف النتائج أن المعلم الأردني يمثل نقطة قوة مهمة. فالطلبة أبلغوا عن مستويات جيدة من الدعم الذي يتلقونه من معلميهم، بينما تظهر تحديات أكبر في مجالات مثل الدعم الأسري، ودافعية الطلبة، والفضول نحو التعلم. وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأن التعليم لا يتحسن بتغيير الكتاب وحده. يمكن أن نكتب أفضل المناهج في العالم، لكن إذا لم ننجح في جعل الطالب يسأل ويجرب ويخطئ ويبحث، فسيبقى أثر التغيير محدوداً.
ولعل القراءة تحديداً تستحق وقفة خاصة. فالتراجع في مهارات القراءة لم يعد مشكلة أردنية فقط، بل أصبح اتجاهاً دولياً يقلق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. والقراءة هنا لا تعني قدرة الطالب على قراءة الكلمات، بل قدرته على فهم النص، وربط المعلومات، والتمييز بين المهم والهامشي، والحكم على صدقية ما يقرأ. وهذه المهارات أصبحت أكثر أهمية، لا أقل، في عصر الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي يجعل الوصول إلى الإجابة أسهل من أي وقت مضى، لكنه لا يضمن أن يفهم الطالب هذه الإجابة أو أن يعرف إن كانت صحيحة. ومن هنا تظهر واحدة من أهم رسائل تقرير 2025: التكنولوجيا يمكن أن تساعد التعلم، لكنها يمكن أيضاً أن تختصر عملية التفكير نفسها.
يشير التقرير إلى أن الاستخدام المعتدل والموجه للأدوات الرقمية قد يدعم التعلم، بينما يرتبط الاستخدام المفرط والتشتت الرقمي بأداء أضعف. والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي. فالمشكلة ليست في أن يستخدم الطالب الأداة، وإنما في كيفية استخدامها. هل يستخدمها ليفهم بشكل أفضل، أم ليسألها عن الإجابة وينهي المهمة؟
وفي الأردن يستخدم عدد كبير من الطلبة أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل في التعلم. وهذا يعني أن السؤال لم يعد: هل نسمح بالذكاء الاصطناعي في التعليم؟ فقد دخل فعلياً. السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف نعلم الطالب أن يستخدمه دون أن يتخلى عن التفكير؟
وهنا نصل إلى جوهر الرسالة التي يمكن أن نستخلصها من "بيزا". لا نحتاج إلى تعليم الطلبة كيف يجيبون عن أسئلة الاختبار، ولا ينبغي أن تتحول المدارس إلى مراكز للتدرب عليه. المطلوب أن نأخذ فلسفته بجدية.
أي أن ننتقل من كثرة المحتوى إلى عمق التعلم، ومن حفظ المعلومة إلى استخدامها، ومن السؤال الذي له إجابة محفوظة إلى المشكلة التي تحتاج إلى تفكير. والتقرير نفسه يدعو إلى التركيز على عدد أقل من المفاهيم الأساسية وإتقانها بعمق، وتحقيق انسجام أكبر بين المنهاج وطريقة التدريس وطريقة التقييم.
وهذه الرسالة مهمة في وقت يعيد فيه الأردن النظر في نظام التوجيهي ومساراته. فإصلاح التوجيهي لا ينبغي أن يقتصر على عدد الحقول أو توزيع المواد والامتحانات. الإصلاح الأعمق هو أن نسأل: أي طالب نريد أن يصل إلى نهاية المدرسة؟
هل نريد طالباً يستطيع الإجابة عن السؤال الذي تدرب عليه، أم طالباً يستطيع التعامل مع سؤال لم يره من قبل؟
ولا تنتهي مسؤولية هذه النتائج عند المدرسة. فالطالب الذي يختبره "بيزا" في الخامسة عشرة سيصل بعد سنوات قليلة إلى الجامعة. وإذا وصل إليها بضعف في القراءة أو التفكير الرياضي أو الاستدلال العلمي، فسوف تنتقل المشكلة معه إلى قاعات الجامعة. لذلك فإن نتائج "بيزا" تعني الجامعات أيضاً، لأنها تخبرها بنوعية الطالب الذي سيطرق أبوابها خلال سنوات قليلة.
وقد تحتاج الجامعات مستقبلاً إلى إيلاء اهتمام أكبر بالمهارات التأسيسية، والتفكير النقدي، والكتابة، والتعلم الذاتي، والثقافة الرقمية، بدلاً من افتراض أن الطالب أتقن كل ذلك قبل دخوله الجامعة.
ربما تكون أفضل رسالة في نتائج 2025 أن التحسن ممكن. الأردن تقدم بعد تراجع كبير، وهذه بداية مهمة. لكن القيمة الحقيقية لهذه النتائج لن تكون في الإعلان عن التحسن، بل في معرفة لماذا حدث، وكيف نحافظ عليه، وكيف نحوله إلى مسار طويل المدى.
فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد أن تهدأ أخبار النتائج ليس: ما ترتيب الأردن في "بيزا"؟
بل: ماذا تعلمنا عن تعليمنا، وماذا سنفعل قبل الاختبار القادم؟

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)