
طلبة نيوز - د. أحمد بطَّاح
إنّ مما لا شك فيه أن الرئيس الأمريكي "ترامب" يتبنى سياسات ليست جديدة فقط بل فيها خروج على ما استقرت عليه السياسات الأمريكية لعقود سابقة، وهو إذْ يتبنى هذه السياسات يدرك أنه في وضع قوى فقد فاز في المجمع الانتخابي (Electoral College) وفي التصويت الشعبي العام (عكس المرة الأولى حيث فاز بأصوات المُجمّع ولكن منافسته هيلاري كلينتون فازت بأصوات شعبية أكثر منه)، وهو وحزبه الجمهوري يحظى بالأكثرية (النسبية) في مجلس: النواب والشيوخ، وذلك فضلاً عن أنه الرئيس الثاني في التاريخ الأمريكي الذي يعود إلى سدة الرئاسة بعد أن فقدها، وفضلاً عن أنه الرئيس الوحيد الذي صوّت مجلس النواب بإقالته مرتين لولا أنّ مجلس الشيوخ رفض ذلك، ولا ننسى طبعاً أنه أُدين جنائياً (قضية شراء الصمت) ولكنه أُنتخب رغم ذلك.
ولكن….. ما هذه السياسات التي يخرج بها ترامب على "مألوف" السياسات الأمريكية؟
أولاً: السياسة الأمريكية إزاء حلف "الناتو" وأوروبا، فقد اعتادت الولايات المتحدة التي تَعتبر نفسها زعيمة العالم الحر على أن تغطي معظم ميزانيه الحلف (يضم 30 دولة). ولكن ترامب يرفض ذلك الآن ويعلن أن الولايات المتحدة لا تستطيع "حماية أوروبا إلى الأبد"، وهو يطالب في ضوء ذلك بأن تدفع أوروبا ما لا يقل عن 5% من ناتجها المحلي الإجمالي لتغطية نفقات الحلف، ولعلنا يجب أن نلاحظ أن نائب الرئيس ترامب "جيه دي فانس" قرّع أوروبا علناً، وزعم أنها لا تضمن حرية التعبير بما فيه الكفاية (يعني عدم السماح لليمين الشعبوي بالتعبير عن نفسه بحرية)، وذلك فضلاً عن مطالبته أوروبا بأنّ تزيد مساهمتها المالية في ميزانية حلف "الناتو".
ثانياً: السياسة الأمريكية إزاء روسيا والصين، فقد دأبت الولايات المتحدة على اعتبار روسياً (خليفة الاتحاد السوفيتي) خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة وتأتي بعدها الصين، أمّا ترامب فهو يرى أن الصين أخطر من روسيا على الولايات المتحدة وهي (كونها ثاني اقتصاد في العالم) تشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة أكثر مما تُشكّله روسيا التي لا يزيد ناتجها القومي الإجمالي عن الناتج المحلي لولاية متوسطة أمريكية، ولذا فنحن نلاحظ أن ترامب "يغازل" الرئيس الروسي "بوتين" ويحاول ترتيب لقاء معه لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، بل لا يمانع من ضم روسيا للدول الغنية السبع (G7) وهي (أمريكا، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، كندا، اليابان)، وغني عن القول أن سياسة ترامب هذه إزاء روسيا سوف تعني حكماً رفع العقوبات المؤثرة التي فرضها الرئيس السابق بايدن على روسيا إثر بدء الحرب الروسية الأوكرانية.
ثالثاً: السياسة الأمريكية المتعلقة بالمساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة للهيئات العالمية ودول العالم حيث شكلت هذه المساعدات ما يزيد عن 40% من المساعدات التي تقدمها كافة دول العالم، ومن الجدير بالذكر أنّ معظم موازنة الأمم المتحدة تأتي من الولايات المتحدة، وكذلك "الأونروا" على سبيل المثال لا الحصر، وفي خروج على هذا "المألوف" من السياسة الأمريكية بادر ترامب إلى وقف عمل الوكالة الأمريكية للتنمية (USAID) التي تقدم المساعدات إلى أكثر من (60) دولة وبموازنة تُقّدر بالمليارات غير عابئ بأن هذه الوكالة هي أحد الأذرع الأمريكية المهمة للسياسة "الناعمة" الأمريكية ولبسط النفوذ (Leverage) الأمريكي على كثير من دول ومنظمات العالم.
رابعاً: السياسة الأمريكية إزاء "النظام الدولي" القائم ومنظومة القوانين الدولية حيث كانت الولايات المتحدة بعد انتصارها مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية هي التي صاغت "النظام الدولي" الجديد، وهي التي قادت الجهود المتعلقة بوضع القوانين الدولية، والقوانين الدولية الإنسانية (هيئة الأمم المتحدة، قوانين حقوق الإنسان، اتفاقية جنيف الرابعة، محكمة العدل الدولية)، أما ترامب فهو يتعامل باستخفاف واضح بهذه المنظومة التي تمثل الشرعية الدولية، فقد أعلن أنه قد يسيطر على جزيرة "جرينلاند" التابعة للدنمارك، وهدّد بنما بدعوى أن قناتها تُستغل من قِبَل الصين، وأعلن أنه بصدد "شراء" قطاع غزة، أو "السيطرة" عليه غير مكترث بكل ما يعنيه ذلك من خروج على القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، بل ويُعتبر "تطهيراً عرقياً" بكل ما تعنيه الكلمة من معنى!
إنّ خروج "ترامب" في سياساته على "مألوف" السياسات الأمريكية لا ينعكس على الولايات المتحدة فقط كما هو واضح، بل ينعكس أيضاً على العالم ككل بدوله ومنظماته، فسياساته إزاء أوروبا سوف تؤثر على أولويات أوروبا بل و على قدراتها الدفاعية، وقيمها السياسية والاجتماعية، وسياساته إزاء روسيا والصين سوف تؤثر على خيارات هاتين الدولتين وتوجهاتهما السياسية، وسياساته إزاء موضوع "تقديم المساعدات" سوف ينعكس على أوضاع كثير من دول العالم، ومنظماته، ومشاريعه (الصحية، والتعليمية، والثقافية وغيرها)، وسياساته إزاء "النظام الدولي" والقوانين الدولية سوف تؤثر سلباً على استقرار العالم، واستمرار "مشروعيته"، وديمومة "ترتيباته" التي ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية.
أخيراً: لابّد من الإشارة إلى أنّ خروج ترامب على "مألوف" السياسات الأمريكية يضر بالدول العربية بالذات وبخاصة ما يتعلق منها بسياساته إزاء "المساعدات"، وإزاء "منظومة" المشروعية الدولية، وقد كان لطروحاته المتعلقة بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وقع "القنبلة" على الدول العربية جمعاء لما في ذلك من إضرار ليس فقط بالفلسطينيين ولا بالدول العربية المعنية بهذه الطروحات (مصر والأردن)، بل بالدول العربية كلها.


اضف تعليقك