
د. زياد أبو الرب / الجامعة الألمانية الأردنية
أظهرت نتائج الثانوية العامة الأردنية لعام 2026 أن نظام التوجيهي الجديد لم يعد مجرد تغيير في شكل الامتحان أو توزيع المباحث، بل أصبح عاملاً مؤثراً في خريطة التعليم العالي نفسها. فاختيار الطالب لحقل دراسي في المدرسة بات يحدد بصورة أكبر من السابق نطاق التخصصات التي يستطيع التقدم إليها في الجامعة، وبذلك انتقل جزء مهم من عملية الفرز الأكاديمي من بوابة الجامعة إلى مرحلة أبكر.
هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية نجاح النظام أو فشله، فالحكم على تجربة جديدة من عامها الأول سيكون متسرعاً. الأهم اليوم هو أن تقرأ الجامعات الرسمية والخاصة ما تقوله الأرقام، وأن تسأل مبكراً: هل تتوافق خريطة برامجنا الحالية مع خريطة الطلبة التي بدأ النظام الجديد في تشكيلها؟
تشير النتائج المعلنة إلى أن نحو 178 ألف طالب تقدموا فعلياً لامتحان الثانوية العامة لعام 2026، ونجح منهم أكثر من 116 ألفاً، فيما بلغ عدد الناجحين النظاميين في المسار الأكاديمي نحو 82.6 ألف طالب، إضافة إلى أكثر من 7.7 آلاف ناجح في المسار المهني (BTEC). لكن الرقم الأكثر أهمية للجامعات ليس العدد الكلي للناجحين، بل كيفية توزيع الطلبة بين الحقول التي أصبحت ترتبط مباشرة بالتخصصات التي يحق لهم التقدم إليها.
فوفق البيانات المعلنة قبل الامتحانات، بلغ عدد طلبة الحقل الصحي نحو 45 ألف طالب، والقانون والعلوم الشرعية قرابة 39 ألفاً، والعلوم والتكنولوجيا نحو 16 ألفاً، واللغات والعلوم الاجتماعية قرابة 12 ألفاً، والهندسي نحو 11.7 ألف، بينما لم يتجاوز عدد طلبة حقل الأعمال نحو 4.2 آلاف طالب.
ومن المهم التأكيد أن هذه أعداد الطلبة المسجلين في الحقول قبل الامتحانات، وليست أعداد الناجحين النهائيين في كل حقل، إذ لم تنشر حتى الآن بيانات رسمية تفصيلية مكتملة للناجحين على مستوى الحقول الستة. ومع ذلك، فإنها تقدم إشارة واضحة إلى اتجاهات تدفق الطلبة نحو التعليم الجامعي.
اللافت أن الحقلين الصحي والقانوني والشرعي استحوذا معاً على ما يقارب ثلثي الطلبة، بينما بقيت قاعدة الطلبة في الهندسة والأعمال محدودة نسبياً. ولا يعني ذلك أن الطلبة اختاروا بصورة خاطئة، فالميول والقدرات والطموحات يجب أن تبقى أساس الاختيار. لكن المسألة تصبح أكثر أهمية عندما نتذكر أن البنية الأكاديمية للجامعات الأردنية تشكلت عبر عقود وفق نظام مختلف، وكانت تعتمد على قاعدة أوسع من الطلبة المؤهلين للتقدم إلى مجموعات متعددة من التخصصات.
في النظام الجديد أصبحت العلاقة أكثر مباشرة بين الحقل المدرسي والبرنامج الجامعي. خريج الحقل الهندسي يتجه أساساً إلى الهندسة والفيزياء والرياضيات، وخريج العلوم والتكنولوجيا إلى العلوم والحاسوب وتكنولوجيا المعلومات ومجالات أخرى، فيما تتجه خيارات حقل الأعمال إلى مجموعة من البرامج الإدارية والاقتصادية. وهذا يعني أن قراراً يتخذه الطالب في المدرسة أصبح يحمل أثراً مباشراً في مستقبل بعض البرامج الجامعية.
في الحقل الصحي مثلاً، يبدو الطلب مرتفعاً جداً، في وقت تتجه فيه السياسات الوطنية إلى ضبط أعداد المقبولين في الطب وطب الأسنان بما ينسجم مع الطاقة الاستيعابية وجودة التعليم. ويبلغ العدد المقرر للقبول في الطب البشري في الجامعات الرسمية نحو 640 طالباً سنوياً، بينما تجاوز عدد الحاصلين على معدل 95% على مستوى المملكة هذا العام 4,400 طالب.
وهذا يعني أن المنافسة على بعض البرامج الطبية ستبقى مرتفعة، وربما تصبح أكثر حدة. لكن من الخطأ اختزال الحقل الصحي بالطب وحده، فهو يفتح أيضاً المجال أمام الصيدلة والتمريض والعلوم الطبية المساندة والتغذية والأحياء والكيمياء وغيرها. لذلك فإن التحدي أمام الجامعات ليس زيادة مقاعد تخصص بعينه استجابة لضغط آني، بل قراءة القطاع الصحي كاملاً وربط توسعه بجودة التعليم وحاجة سوق العمل وكلفة البرامج.
وعلى الطرف الآخر تبدو صورة حقل الأعمال مختلفة. فعدد طلبة الحقل الأكاديمي للأعمال لم يتجاوز نحو 4.2 آلاف طالب، بينما تمتلك الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة شبكة واسعة من كليات وبرامج الإدارة والمحاسبة والتمويل والتسويق والاقتصاد واللوجستيات. صحيح أن خريجي BTEC في الأعمال يوسعون قاعدة الطلبة المؤهلين لعدد من هذه البرامج، لكن استمرار الأعداد الحالية لعدة سنوات قد يدفع بعض الجامعات إلى مراجعة حجم برامجها وشعبها وخططها التشغيلية.
وتظهر الهندسة تحدياً مشابهاً. فعدد طلبة الحقل الهندسي يبلغ نحو 11.7 ألف طالب، في مقابل منظومة جامعية واسعة من البرامج الهندسية، بعضها مرتفع الكلفة ويحتاج إلى مختبرات وتجهيزات وكوادر متخصصة. وقد يؤدي تضييق قاعدة الطلبة المؤهلين للهندسة إلى زيادة المنافسة بين الجامعات على استقطابهم.
لكن الاستجابة لذلك لا ينبغي أن تكون تخفيض معايير القبول للحفاظ على الأعداد، ولا التوسع في التسويق وحده، بل إعادة التفكير في محفظة البرامج نفسها. فقد يكون المطلوب مستقبلاً عدداً أقل من البرامج المتشابهة، مقابل برامج أكثر تميزاً وارتباطاً بالصناعة والتكنولوجيا والطاقة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
أما حقل القانون والعلوم الشرعية، والذي اقترب عدد طلبته من 39 ألفاً، فيستحق مراقبة خاصة. فهذا حجم كبير يتجه إلى نطاق من التخصصات أضيق نسبياً، وبعضها يعمل في سوق يتسم بدرجات متفاوتة من التشبع. وإذا لم يتوازن عدد الطلبة مع الطاقة الاستيعابية وفرص العمل، فقد يظهر مستقبلاً ضغط أكبر عند القبول الجامعي أو عند الانتقال إلى سوق العمل.
وهنا لا ينبغي تحميل المدرسة وحدها مسؤولية التوازن، كما لا تستطيع الجامعة وحدها معالجة المشكلة. فاختيار التخصص يرتبط بميول الطالب والأسرة، وبالمعلومات المتاحة عن المهن، وبصورة بعض التخصصات اجتماعياً، وبسياسات القبول، وبحاجة السوق. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى منظومة مترابطة من الإرشاد المدرسي والتخطيط الجامعي ومعلومات سوق العمل.
ويختلف أثر هذه التحولات بين الجامعات الرسمية والخاصة. فالجامعات الرسمية تحتاج إلى مراجعة خطط القبول والموارد والتخصصات في ضوء رسالتها الوطنية، وألا تتعامل مع الطاقة الاستيعابية بوصفها هدفاً يجب ملؤه دائماً، فهي حد أعلى يسمح به الاعتماد وليست عدداً إلزامياً للقبول.
أما الجامعات الخاصة فهي أكثر حساسية لتغير أعداد الطلبة، لأن نموذجها المالي يعتمد بدرجة أكبر على الرسوم الدراسية. وقد يؤدي انخفاض الطلب على بعض البرامج إلى منافسة سعرية لا تخدم الجودة. لذلك ستكون قدرة الجامعة على التميز، وتطوير برامج تطبيقية، وربط الدراسة بالصناعة، وإضافة شهادات مهنية ومسارات دولية، أكثر أهمية من مجرد المنافسة على السعر.
وفي المقابل يمثل (BTEC) فرصة ينبغي ألا تُقرأ بوصفها تهديداً للجامعة. فالسياسة العامة للقبول لعام 2026/2027 فتحت أمام خريجي عدد من تخصصاته مسارات جامعية في الأعمال والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والتصميم وغيرها. وهذا يتيح للجامعات فرصة تطوير برامج أكثر تطبيقاً ومرونة، تستفيد من الخلفية العملية لهؤلاء الطلبة بدلاً من محاولة إدخالهم في نموذج أكاديمي تقليدي لا يختلف عن غيره.
ورغم أهمية هذه المؤشرات، تبقى سنة واحدة غير كافية لاتخاذ قرارات كبيرة بإغلاق برامج أو إنشاء أخرى. المطلوب الآن هو المراقبة المبكرة لا القرارات المتسرعة.
ويمكن لكل جامعة أن تبدأ من ثلاثة أسئلة بسيطة: ما البرامج التي أصبحت قاعدة الطلبة المؤهلين لها أصغر؟ ما البرامج التي يتجاوز فيها الطلب القدرة المتاحة بصورة واضحة؟ وما البرامج التي تحتاج إلى إعادة تصميم أو دمج أو ربطها بمسارات تطبيقية ومهنية جديدة؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج الجامعات إلى نظام إنذار مبكر يعتمد على البيانات، يربط سنوياً بين عدد الطلبة المؤهلين لكل مجموعة من البرامج، وعدد المتقدمين، والمقبولين، والملتحقين فعلياً، والطاقة الاستيعابية، وكلفة البرنامج، ومؤشرات التوظيف بعد التخرج. ومع تكرار هذه القراءة لعدة سنوات ستصبح قرارات فتح البرامج أو توسيعها أو دمجها أو وقفها أكثر موضوعية وأقل اعتماداً على الانطباعات.
التوجيهي الجديد إذن ليس ملفاً مدرسياً منفصلاً عن الجامعة. إنه متغير استراتيجي يمكن أن يؤثر في أعداد الطلبة، وتوزيعهم، والموارد البشرية، والمختبرات، والإيرادات، وربما في شكل بعض الكليات نفسها.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية لصانع القرار الجامعي لم يعد فقط: كم طالباً سنقبل هذا العام؟
بل: هل خريطة برامج جامعتنا ما تزال مناسبة لخريطة الطلبة الجديدة؟
الإجابة المبكرة عن هذا السؤال، بهدوء وبيانات دقيقة، قد تكون من أهم مهام التخطيط الجامعي خلال السنوات المقبلة.


اضف تعليقك