
طلبة نيوز-أ.د. صلاح جرّار
توجد خارطة كبيرة للعالم معلّقةٌ خلف كرسيّ مكتبي في منزلي، وكلّما وقع حدثٌ في العالم أنظر إلى الخارطة فأحدّد عليها مكان وقوع الحدث. وقد اقترح عليّ أحد أصدقائي أن أدقّق في تلك الخارطة وأن ألاحظ الفرق بين أشكال حدود دول العالم وأشكال حدود الدول العربيّة، فنظرت فإذا هناك فرق واضح تمام الوضوح يتمثل في كون حدود أيّ دولة من دول العالم حدوداً متعرّجة صعوداً ونزولاً حسب تضاريسها وطبيعتها الجغرافية، وأمّا الدول العربيّة فحدودها تسير في خطوط مستقيمة قلّ أن تجد فيها أيّ تعرجات أو نتوءات أو غير ذلك! ولا سيّما إذا تأملّنا الحدود المصرية والحدود الليبية والحدود الجزائرية والحدود الموريتانية والحدود العراقية وحدود بلاد الشام!! فما الذي يدلّ عليه ذلك؟! إنّها لا تعني إلاّ شيئاً واحداً وهو أنّ هذه الحدود على هذه الصورة هي من فعل فاعلٍ واحد له مصلحة في ذلك، وهذا الفاعل هو المستعمِر الأوروبي الذي إن بدا متعدّداً فهو واحدٌ في أهدافه ونواياه، وهي الأهداف التي تظهر نتائجها اليوم بشكل صارخ وواضح على الأرض العربيّة. وعندما قسّم هؤلاء الغربيون الأرض العربيّة على هذا النحو فقد تعمّدوا ترك مناطق عازلة هنا وهناك كي تبقى موضع خلاف بين تلك الدول المتجاورة.
إنّ المسؤولين عن تقسيم الأرض العربيّة إلى دول متنازعة هم الذين يشار إليهم بأصابع الاتهام في تقسيم الشعوب العربيّة إلى فئات متصارعة من خلال تبني كثير من هذه الفئات وتحريضها بعضها ضد بعض بوسائل عديدة مدروسة ومتقنة وبخطط بعيدة المدى، وما هذا الذي تشهده الدول العربيّة اليوم من نزاعات دموية خطيرة إلاّ نتيجة لمؤامرة التقسيم الطائفي والمذهبي والعرقي الذي أشرف على تكريسه الغربيّون منذ حقبة الاستعمار.
ولئن كان الغرب الاستعماري يتحمل المسؤولية عن تقسيم الوطن العربي وتقسيم الشعب العربي وزرع الفتن والخلافات بين أبنائه، إلاّ أنّ العرب أنفسهم يتحمّلون الجزء الأكبر من المسؤولية عن ذلك التقسيم والتفتيت، لتسليمهم بما أراده الغربيّون وعدم سعيهم إلى إقامة أي صيغة من صيغ الوحدة والتعاون، وكأنّ الحدود مرسومة بحبر سرّيِِّ لا يملك أحدٌ أيّ سبيل إلى محوه وتغييره، وكأنّ التعاون والاتحاد محرّمٌ على هذه الأمّة!
إنّ المطلوب من الأمّة كي تخفّف من قسوة هذه الحدود وامتناعها على أبناء الأقطار العربيّة أن تأخذ في تنفيذ خطة للتعاون في مختلف المجالات العلمية والثقافية والسياسية والأمنية وسواها بعيداً عن أيّ إملاءات خارجيّة، وصولاً إلى تحقيق ما يمكن أن يكون سوقاً عربيّة مشتركة واتّحاداً عربيّاً على غرار ما هو بين دول الاتحاد الأوروبي أو غيره، وبذلك تفقد الحدود المرسومة بيننا خارج إرادتنا نفوذها وسطوتها وضررها الفادح.


التعليقات
هاني- متشائم جدا (.) الخميس, 06/19/2014 - 12:25
موضوع جميل في البداية، لكن الفقرة الاخيرة تشعرك وكأن الكاتب -مع اعتذاري- قادم من كوكب اخر، عن اي وحدة تتكلم ؟وعن اي سوق مشترك تتكلم، الان يجب ان تتكلم عن مزيد من التقسيم ومزيد من الدويلات المصطنعة والطائقية، ......الفرق الوحيد ان التقسيم الان بالمنقلة مش زي زمان بالمسطرة... للاسف الامة العربية يبدو انهاتغرق وتتقدم للخلف الى غير عودة..
اضف تعليقك