
طلبة نيوز - عمّان – أظهرت دراسة علمية محكّمة، نُشرت في مجلة «دراسات: العلوم الإنسانية والاجتماعية»، الصادرة عن عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية، أن شبكات التلفزيون الإخبارية العالمية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على نقل الأحداث وتغطيتها، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية مؤثرة في إدارة الصراعات، وتشكيل الرأي العام العالمي، وتوجيه أجندات السياسة الدولية، في إطار ما يُعرف بالقوة الناعمة.
وأعد الدراسة، المنشورة في المجلد 53، العدد 8 لعام 2026، الباحثان الدكتور عبد الله حسين محمود العزام والدكتور علي نايل محمد العزام، حيث اعتمدا المنهجين الوصفي التحليلي والمقارن لتحليل أداء عدد من أبرز شبكات التلفزيون الإخبارية في الولايات المتحدة وفرنسا والشرق الأوسط وروسيا والصين، ورصد أنماط معالجتها الإعلامية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2023، والحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022.
وأظهرت نتائج الدراسة وجود تراجع ملحوظ في الالتزام بالموضوعية والحياد الصحفي لدى غالبية الشبكات الإخبارية العالمية عند تغطية الحروب، مشيرة إلى أن الخطاب الإعلامي في كثير من الحالات يتأثر بالسياسات الخارجية للدول التي تنتمي إليها هذه الشبكات، إلى جانب مصالحها وتحالفاتها الاستراتيجية.
كما كشفت الدراسة عن ازدواجية واضحة في معايير التغطية الإعلامية بين الحربين في غزة وأوكرانيا؛ إذ جرى تقديم الغزو الروسي لأوكرانيا في جزء كبير من الإعلام الغربي باعتباره انتهاكًا للأعراف والقواعد الدولية، في حين رأت الدراسة أن تغطية الحرب على غزة اتسمت، في حالات متعددة، باقتطاع الأحداث من سياقها التاريخي والسياسي، وإبراز الرواية الإسرائيلية وتأطير العمليات العسكرية ضمن مفهوم «الدفاع عن النفس».
وبيّنت الدراسة كذلك أن الخطاب الإعلامي للشبكات التابعة للقوى الدولية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة وروسيا والصين، يعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة حالة التنافس الدولي والصراع على النفوذ، ويسهم في إعادة تشكيل تصورات الجمهور بشأن طبيعة النظام الدولي وتوازناته.
وفي السياق ذاته، رصدت الدراسة توظيف مجموعة من أساليب التضليل وإدارة التصورات، من بينها التلاعب بالمصطلحات واللغة المستخدمة في وصف أطراف الصراع، بما في ذلك استخدام أوصاف مختلفة مثل «مقاتل» و«إرهابي» بحسب السياق التحريري والسياسي، إلى جانب توظيف الوسائط المصطنعة والذكاء الاصطناعي، وقولبة الأخبار، والممارسات الرقابية والتحريرية التي يمكن أن تؤثر في طريقة تلقي الجمهور للأحداث وتفسيرها.
وأكدت الدراسة صحة فرضياتها البحثية الثلاث، والتي تمحورت حول تبني الشبكات الإخبارية لوجهات نظر غير نقدية في تناول الحروب العسكرية، ودورها في تشكيل صورة الصراع بما يتوافق مع التوجهات الاستراتيجية لأطرافه، فضلًا عن تأثرها بتوجهات نخب السياسة الخارجية.
وخلصت الدراسة إلى أن شبكات التلفزيون الإخبارية العالمية لم تعد مجرد ناقل محايد للأحداث، وإنما أصبحت فاعلًا مؤثرًا في الصراعات الدولية، يمتلك القدرة على الإسهام في تصعيدها أو التخفيف من حدتها، فضلًا عن التأثير في تحديد القضايا التي تحظى بالأولوية في الأجندة الدولية، وصياغة تصورات الجمهور العالمي تجاه أطراف النزاعات ومساراتها.


اضف تعليقك