TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
رئيس الجامعة الأردنية والبرج العاجي..
24/09/2026 - 6:45am

كتب محمود الدباس

ارتبط مفهوم المسؤول والبرج العاجي.. منذ سنوات طويلة.. حين يشكو موظف.. أو مراجع.. من مؤسسة من أمر ما.. ثم تقول له.. لماذا لا تذهب إلى رأس الهرم في المؤسسة؟!.. يأتيك الرد سريعاً.. هو في حدا قادر يحكي معه؟!.. مهو بيحكي من برج عاجي.. وكأن الوصول إلى المسؤول.. أصبح بحد ذاته معاملة تحتاج إلى واسطة..

وعندما نتحدث عن الجامعة الأردنية.. أم الجامعات الأردنية.. فإن الحديث يصبح مختلفاً.. وذو شجون.. ليس لأنها مجرد مؤسسة أكاديمية.. وإنما لأنها جزء من ذاكرة الأردنيين ووجدانهم.. فمنها تخرجت أجيال.. حملت اسم الأردن إلى مواقع كثيرة داخل الوطن وخارجه..

وهنا نتحدث عن كتلة بشرية كبيرة.. حيث تضم الجامعة أكثر من 50 ألف طالب وعضو هيئة تدريسية وإدارية..

ومن هنا.. فإن الحديث عن رئيسها.. لا ينبغي أن يكون حديثاً عن منصب فقط.. بل عن الطريقة التي يمارس بها صاحب هذا المنصب دوره..

وخلال الفترة الماضية.. سمعت الكثير من الشهادات عن طريقة إدارة معالي البروفيسور نذير عبيدات للجامعة.. وبعض هذه الشهادات جاءت من طلبة أعرفهم جيداً.. وكان اللافت في حديثهم.. أنهم يشاهدون رئيس الجامعة بنفسه يتجول بين الطلبة في شوارع الجامعة وكلياتها ومرافقها الاخرى.. يستمع إليهم.. يناقشهم.. ويسأل عن التفاصيل.. ثم يتابع ما يطرحونه من ملاحظات.. حتى يشعر الطالب.. أن ما قاله لم يذهب إلى درج مغلق.. أو مكتب بعيد..

وهذه الجزئية بالذات.. هي التي تصنع الفرق بين مسؤول يجلس في مكتبه.. ينتظر التقارير.. ومسؤول ينزل إلى الميدان.. ليرى بنفسه ما تقوله التقارير وما لا تقوله..

وأنا شخصياً.. لا أنسى مساء ذلك اليوم.. الذي تواصل معي فيه ولي أمر لطالبة من المتفوقات.. وقال لي إنه تفاجأ بأنها ليست على قائمة الخريجين.. وبعد الساعة 9 مساءً.. بعثت رسالة إلى معالي رئيس الجامعة.. أشرح فيها حيثيات الشكوى..

وعندما استيقظت لصلاة الفجر.. وكعادتي تفقدت هاتفي.. فإذا برسالة من معاليه في تمام الساعة 4:10 فجراً..

لم تكن الرسالة مجرد سنبحث الموضوع.. ولم تكن إحالة باردة إلى موظف آخر.. وإنما أخبرني.. بأن طاقم التسجيل والمسؤولين عن علامات الطلبة.. لم يناموا تلك الليلة.. وأنهم ظلوا يبحثون في السجلات الورقية والإلكترونية.. حتى تبين لهم أن الشكوى غير صحيحة.. وطلب مراجعة ولي الأمر وابنته له في الصباح..

وهناك ظهرت الحقيقة كاملة..

لم تكن المشكلة في الجامعة.. وإنما في خوف الطالبة من أن يعرف أهلها.. أنها رسبت في بعض المواد.. فكانت تخبرهم بأنها ناجحة وبتفوق..

قد تبدو هذه الحادثة صغيرة.. إذا قورنت بحجم الجامعة الأردنية.. لكنها بالنسبة لي.. لم تكن صغيرة أبداً.. لأن قيمة المسؤول لا تظهر فقط في الملفات الكبيرة.. والقرارات التي تتصدر الأخبار.. وإنما تظهر أحياناً في موقف صغير.. وفي شكوى تصل بعد التاسعة مساءً.. وفي مسؤول يبقى مستيقظاً.. حتى الرابعة فجراً.. ليتأكد من الحقيقة بنفسه..

وما دفعني لكتابة هذه الكلمات الآن.. هو ما حدث أمامي يوم أمس..

راجعت معاليه برفقة طالبة.. شعرت بشيء من عدم المهنية في التعامل معها أثناء مناقشتها لأطروحتها.. حسب وجهة نظرها.. وكانت الطالبة في حالة انهيار واضحة.. وفي مثل هذه اللحظة.. كان من الممكن أن نتعامل مع الأمر كملف إداري آخر.. أو أن يقال لها ببساطة.. راجعي الجهة المختصة..

لكنني لم أرَ أمامي في تلك اللحظة رئيس الجامعة الإداري فقط..
رأيت الأب الحاني..

استمع إليها بهدوء.. هدأ من روعها.. أعاد إليها توازنها.. وترك لها مساحة لتشرح ما حدث دون خوف.. أو ارتباك.. ثم بدأ يتحقق مما قالته.. واتصل بالمعنيين.. واستمع إلى وجهات النظر الأخرى.. وحين اكتملت لديه الصورة.. انتقل من الجانب الإنساني.. إلى الجانب الإداري الحازم.. واتخذ الإجراءات التي رأى أنها لازمة..

وهنا تحديداً.. فهمت شيئاً مهماً..

المسؤول الذي يفتح بابه للجميع.. ليس بالضرورة مسؤولاً ضعيفاً.. والمسؤول الذي يستمع للشكوى.. ليس بالضرورة مسؤولاً متردداً.. بل إن القوة الحقيقية للمسؤول.. تظهر عندما يستطيع أن يستمع بهدوء.. ثم يبحث ويتحقق.. ثم يتخذ قراره دون أن يكون أسيراً لضجيج المحيطين به.. وما يقوله الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي..

وهذا ما أراه في شخصية معالي البروفيسور نذير عبيدات..

رجل يتابع التفاصيل الصغيرة.. ولا ينتظر دائماً أن تصل إليه المشكلة مكتوبة في كتاب رسمي.. بل يذهب إلى الميدان.. ويرى الطلبة.. ويسمع منهم مباشرة.. ثم يتابع ما يسمعه.. وهذه نقطة أعتقد أنها تستحق التوقف عندها..

فالجامعة ليست مباني وقاعات ومحاضرات فقط.. الجامعة مجتمع كامل.. والطالب فيها ليس رقماً في كشف العلامات.. والأستاذ ليس مجرد اسماً في جدول.. والموظف ليس مجرد رقماً وظيفياً..

ومن هنا يصبح وجود رئيس -على الرغم من ازدحام جدول أعماله- يستطيع أن يسمع للطالب.. ويستمع للأستاذ.. ويتابع الموظف.. ويرى بنفسه ما يجري داخل الكليات والممرات.. أمراً يتجاوز الشكل الإداري إلى معنى أعمق بكثير..

ولست هنا بصدد القول.. إن الجامعة الأردنية أصبحت بلا أخطاء.. أو أن كل قرار فيها.. لا يحتاج إلى مراجعة.. فهذه مؤسسة بشرية كبيرة.. ومن الطبيعي.. أن تقع فيها أخطاء.. وتظهر فيها ملاحظات.. لكن الفرق الحقيقي.. يظهر في كيفية التعامل مع الخطأ عندما يظهر.. وهل يجد صاحبه باباً مفتوحاً.. أم جداراً مغلقاً؟!..

ولعل الأرقام الأكاديمية.. تقول شيئاً من هذا التطور أيضاً.. فقد جاءت الجامعة الأردنية في المرتبة 326 عالمياً في تصنيف QS العالمي للجامعات 2026.. بعد أن كانت في المرتبة 368 في تصنيف 2025.. مع اختلاف منهجيات التصنيف.. وطبيعة المؤشرات التي يعتمد عليها.. وهذا الإنجاز لا يمكن اختزاله بشخص واحد وحده.. لأن وراءه هيئة تدريس.. وطلبة.. وموظفين.. وباحثين.. لكنه في الوقت نفسه.. يعكس المسار الذي تسير فيه الجامعة في مرحلة إدارتها الحالية..

وما يعجبني في تجربة معالي البروفيسور أبي محمد.. ليس أن بابه مفتوح فقط.. وإنما أنه لا يبدو خائفاً من فتح الباب..

وهناك فرق كبير بين الاثنين..

فبعض المسؤولين يغلقون أبوابهم لأنهم يخشون أن يسمعوا ما لا يريدون سماعه.. وبعضهم يفتحونها.. لأنهم يعرفون أن سماع الملاحظة.. لا ينتقص من هيبة المسؤول.. بل يساعده على معرفة ما يحدث خارج مكتبه..

ولهذا.. فإن البرج العاجي لا يبنيه ارتفاع المكتب.. ولا حجم المنصب.. ولا عدد المرافقين..

البرج العاجي يبنيه المسؤول.. عندما يريد قطع المسافة بينه وبين الناس..

أما المسؤول الذي ينزل إلى الطلبة.. ويمشي بينهم.. ويسمع شكواهم.. ويتابع ملاحظاتهم.. ويستمع إلى الطرف الآخر.. قبل أن يحكم.. ثم يتخذ القرار عندما تكتمل لديه الصورة.. فهو لا يحتاج إلى برج يحميه من الناس.. وهذا المفهوم تيقنت بنفسي.. أنه غير موجود في قاموس معالي رئيس الجامعة الأردنية..

لأنه ببساطة.. اختار أن يكون بينهم..

وهذه شهادة إنصاف أكتبها اليوم.. لا مجاملة فيها ولا مبالغة.. وإنما لأن من حق المسؤول.. الذي نرى منه ممارسة مختلفة لما اعتدناه.. أن نقول له أيضاً.. أحسنت.. لعل نار الغيرة تدب في عروق الآخرين..

تحية إكبار واحترام.. لقامة أكاديمية وعلمية وإدارية.. لمعالي البروفيسور أبي محمد.. رئيس الجامعة الأردنية..

فبعض المسؤولين نعرفهم من مكاتبهم.. ومن خلال شاشات التلفاز..

وبعضهم -وللأسف أقولها وبمرارة هم قلة- نعرفهم من أثرهم فيمن يخرج من مكاتبهم..

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)