TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
رمضان والجامعة: اختبار النضج لا اختبار الطاقة
18/02/2026 - 9:30pm

د. زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية

ليست المشكلة في أن يتغيّر إيقاع اليوم في رمضان، بل في أن نكتشف هشاشة إيقاعنا الأكاديمي حين يتغير. فالشهر الفضيل لا يختبر قدرة الطالب على الصوم بقدر ما يختبر قدرة الجامعة على الفهم. هل بُني نظامنا التعليمي على عدد الساعات، أم على جودة التركيز؟ على الامتداد الزمني، أم على كثافة التعلم؟
تاريخيًا، لم يكن رمضان شهر تراجع حضاري. وقعت فيه معارك حاسمة، وتحولات كبرى، وقرارات مصيرية. لم يكن الامتناع عن الطعام سبب ضعف، بل تدريبًا على ضبط الإرادة. الصوم في جوهره ليس تقليلًا للطاقة، بل إعادة توجيه لها. ومن ينجح في ضبط شهوته الأساسية، يكتسب قدرة أعلى على ضبط وقته وعاداته وانفعالاته.
هنا يكمن البعد التربوي العميق. رمضان يمنح الإنسان ثلاثين يومًا متتالية من الانضباط المتكرر. وعلم السلوك يخبرنا أن التكرار الواعي خلال فترة محددة قادر على إعادة تشكيل العادات. فإذا استطاع الطالب أن يعيد تنظيم نومه وطعامه طوال شهر كامل، فهو قادر على إعادة برمجة سلوكه الدراسي: جلسات تركيز أقصر وأكثر كثافة، مراجعة يومية ثابتة، تقليل المشتتات، ضبط استخدام الهاتف، وترتيب الأولويات.
المشكلة ليست في الصوم، بل في ثقافة أكاديمية تعتقد أن التعلم يقاس بعدد الساعات داخل القاعة. حين تتغير الظروف، يختل النظام، لأن البناء قام على الزمن لا على الفهم. رمضان يكشف هذه المفارقة بوضوح: التعليم الذي يعتمد على التلقين الممتد يتعثر، أما التعليم المصمم بذكاء، فيتكيّف.
من هنا فإن التحول المطلوب ليس تخفيف المعايير، ولا تجاهل الواقع، بل إعادة طرح سؤال أعمق:
هل نحن نُدرّس محتوى، أم نبني قدرة؟
رمضان فرصة لاختبار مرونة النموذج التعليمي. فإذا أمكن الحفاظ على الجودة مع إعادة توزيع الجهد، فهذا يعني أن النظام قائم على الإنجاز لا على الحضور، وعلى الفهم لا على الإملاء. أما إذا انهار الأداء لأن جدول الطعام تغيّر، فالمشكلة ليست في الشهر، بل في التصميم.
ثم إن رمضان يحمل بعدًا آخر يغيب عن جامعاتنا: إعادة التوازن بين الإنتاجية والسكينة. البيئة الأكاديمية الحديثة غارقة في سباق التصنيفات والنشر والدرجات. كل شيء يقاس، وكل شيء يُنافس عليه. يأتي رمضان ليذكّر أن الإنجاز لا ينفصل عن الاتزان، وأن العقل يحتاج إلى لحظات صفاء ليُنتج معرفة ذات معنى.
في بعض الجامعات في ماليزيا وتركيا وبريطانيا حيث يشكل الطلبة المسلمون نسبة معتبرة، لم يُتعامل مع رمضان كفترة استثناء أو عذر، بل كجزء من دورة سنوية يُدار بوعي. تُعاد برمجة الإيقاع دون المساس بالمعايير. لا يُخفض السقف، لكن يُعاد توزيع الجهد. يُعترف بأن الإنسان ليس آلة إنتاج متواصلة، وأن التركيز العالي لفترات أقصر قد يكون أكثر فاعلية من الامتداد الزمني المرهق.
هذه ليست “تسهيلات دينية”، بل إدارة ذكية للطاقة البشرية.
أما على مستوى الطالب، فالشهر يقدم فرصة نادرة للتحرر من عادات سلبية رسختها الحياة الرقمية: سهر بلا وعي، استهلاك مفرط للمحتوى، تشتت دائم. ثلاثون يومًا من الصيام الواعي يمكن أن تتحول إلى دورة مكثفة في إدارة الذات. والجامعة التي تساند هذا التحول بخطاب تربوي مسؤول، لا تُضعف التحصيل، بل تعمّقه.
رمضان ليس شهر كسل ونوم وأعذار، بل شهر إعادة معايرة.
ليس اختبارًا للطاقة، بل اختبارًا للنضج.
إنه يسأل الجامعة سؤالًا بسيطًا لكنه عميق:
هل نبني نظامًا يتكيّف مع الإنسان، أم نظامًا يطالب الإنسان أن يتكيّف معه؟
إذا استطعنا أن نحول هذا الشهر إلى فرصة لإعادة ضبط الإيقاع، وتعزيز الانضباط الذاتي، واختبار مرونة نموذجنا التعليمي، فإن رمضان لن يكون ظرفًا طارئًا في التقويم الأكاديمي، بل رافعة سنوية لتجديد المعنى.
والجامعة التي تفهم معنى التجديد، تفهم أن أعظم التحولات لا تبدأ من الخارج، بل من إعادة ترتيب الداخل.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)