TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
رمضان والجامعة: حين تتحول المعرفة إلى فعل رحمة
27/02/2026 - 6:30pm

د. زياد أبو الرُّب
الجامعة الألمانية الأردنية

ليس رمضان شهرًا يتغير فيه إيقاع الحياة فحسب، بل هو لحظة سنوية لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان وما يملك. في هذا الشهر تتقدم القيم على المصالح، ويتسع معنى العطاء ليتجاوز المال إلى كل ما يمكن أن ينفع الناس. وإذا كان الأفراد يتصدقون مما في أيديهم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على مؤسساتنا الأكاديمية هو: بم تتصدق الجامعة؟

الجامعة لا تملك صناديق إعانات، ولا تتمثل رسالتها في توزيع الطرود الغذائية، لكنها تملك ما هو أعمق أثرًا وأبعد مدى: المعرفة، والخبرة، والعقول المتخصصة. وهنا يكمن التحول الحقيقي؛ من العمل الخيري الموسمي إلى خدمة مجتمع معرفية، ومن مبادرات رمزية عابرة إلى أثر مؤسسي مستدام.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى “خدمة المجتمع” بوصفها بندًا في تقرير سنوي، أو نشاطًا يُذكر ضمن متطلبات الاعتماد، أو معيارًا في ملف تصنيف. غير أن روح رمضان تدعونا إلى إعادة تعريف المفهوم ذاته. فخدمة المجتمع ليست نشاطًا إضافيًا على هامش العملية الأكاديمية، بل هي امتداد طبيعي لرسالة الجامعة. المعرفة التي لا تخرج إلى الناس تبقى ناقصة، والجامعة التي لا تنعكس خبراتها على واقع مجتمعها تفقد جزءًا من مشروعيتها الأخلاقية.

في هذا السياق، يمكن أن تتحول الجامعات خلال شهر رمضان إلى منصات معرفة مفتوحة. كليات الهندسة تستطيع تقديم أيام استشارية لدعم مشاريع صغيرة أو تحسين كفاءة الطاقة في منازل ومؤسسات مجتمعية. كليات الإدارة يمكن أن تنظم ورشًا تطبيقية لأصحاب المشاريع الناشئة حول الإدارة المالية أو التحول الرقمي. كليات التمريض والعلوم الطبية قادرة على إطلاق حملات توعوية مبنية على أسس علمية رصينة، تتناول أنماط الحياة الصحية خلال الشهر الكريم. أقسام الإرشاد النفسي والتربوي تستطيع تقديم جلسات دعم للأسرة والشباب، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.

الأهم من ذلك أن تتحول هذه المبادرات من فعل تطوعي فردي إلى إطار مؤسسي منظم، يربط بين التعلم الأكاديمي وخدمة المجتمع. يمكن للمساقات أن تتضمن مشاريع تطبيقية مرتبطة باحتياجات حقيقية، ويمكن للطلبة أن يكتسبوا خبرة ميدانية وهم يقدمون خدمة معرفية مدروسة. بهذا المعنى، لا يصبح العطاء خارج العملية التعليمية، بل جزءًا منها.

قد يُنظر إلى رمضان باعتباره فترة تخفيف، أو مرحلة انتظار حتى تعود الجداول إلى نسقها المعتاد. غير أن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن الشهر الكريم يوفر بيئة مواتية لتعزيز حضور الجامعة في مجتمعها. الحس الاجتماعي أعلى، والاستعداد للتعاون أكبر، والاهتمام العام بقيم التكافل يتضاعف. وهذا ما يجعله فرصة لتعميق الشراكات مع البلديات، والجمعيات، والقطاع الخاص، ضمن مشاريع معرفية قصيرة الأمد لكنها عالية الأثر.

الأمر لا يتوقف عند البعد الإنساني، بل يمتد إلى البعد الاستراتيجي. الجامعات اليوم تُقيَّم بقدرتها على إحداث أثر مجتمعي ملموس، وعلى ربط المعرفة بحل المشكلات الواقعية. السمعة المؤسسية لم تعد تُبنى فقط بعدد الأوراق العلمية أو حجم التمويل البحثي، بل بمدى انعكاس هذه المعرفة على حياة الناس. الجامعة التي تُشعر مجتمعها بأنها شريك في التنمية، لا مزود خدمة تعليمية فحسب، تحصّن مكانتها وتكسب ثقة طويلة الأمد.

في هذا الإطار، يمكن للجامعات الأردنية عمومًا، والجامعات التطبيقية خصوصًا، أن تقدم نموذجًا متقدمًا في تحويل خدمة المجتمع إلى ممارسة معرفية منظمة. التكامل بين التعليم النظري والتطبيق العملي يوفر أساسًا قويًا لإطلاق مبادرات تستجيب لاحتياجات المجتمع المحلي خلال رمضان وخارجه، بحيث يصبح الشهر الكريم نقطة انطلاق لثقافة مستدامة، لا موسمًا عابرًا.

يبقى أن نتذكر أن المعرفة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. فالجامعة ليست برجًا معزولًا، بل عقل المجتمع وروحه النقدية. وفي رمضان، حيث تتجلى قيم الرحمة والتكافل، يبرز سؤال عميق: إذا كان المال يخرج من الجيوب إلى المحتاجين، فهل تخرج المعرفة من الجامعات إلى الناس؟

حين تتحول المعرفة إلى فعل رحمة، لا يعود رمضان محطة زمنية في التقويم الأكاديمي، بل يصبح لحظة مراجعة سنوية لرسالة الجامعة ذاتها. رسالة تقوم على العلم، وتترسخ بالأثر، وتُقاس بمدى ما تتركه من بصمة صادقة في حياة الناس.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)