
طلبة نيوز- د.محمد الشريفين
"الأستاذ الدكتور س: ألقيت خطبة اليوم في أبو نصير وتحدثت عن عاشوراء وذكرت ممارسات الشيعة، وقف شخص واعترض وكاد الناس أن يقعوا فيه ضربا، العبرة وجود بكائين للشيعة في الأردن! اذن السفارة الايرانية تعمل بجد...آخر يرد موافقا: سبحان الله ! وما زال فينا من يأبى أن يخرج رأسه من تحت الرمال. ولو بقي الناس في نومهم سادرين لملك الروافض ما تحت اقدامنا!!" اقتباس من حوار طويل من غير تصرف جرى على "قروب" جمعية الحديث وإحياء السنة في الأردن على "الواتس أب".
سبق أن كتبت مقالا بعنوان "علماؤنا والتأجيج الطائفي"، ثم رأيت أن الشحن الطائفي يتسارع بشكل مقلق، وأن السواد الأعظم من الخطباء والعلماء قد انزلقوا إلى هذا المزلق الخطير، وأصبح الشحن والتحريض حديث العامة، فقد تأثرت العامة بشكل كبير بالمشايخ والخطباء والعلماء،حتى أصبح الجو العام بين المسلمين مشحونا ومهيئا أكبر من ذي قبل للمعارك الطائفية، وكل ذلك وللأسف يجري باسم الله وباسم الدين.
أريد في هذه العجالة أن أسجل بعض الملاحظات في موضوع التأجيج الطائفي الذي يمارسه كثير من العلماء والخطباء، ومنطلقي بذلك استشعاري للخطر الذي يحيق بأمتي، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل:
الملاحظة الأولى: وفيها أذّكر بالقاعدة الأصولية "لازم القول ليس بقول".
معنى هذه القاعدة أن المتكلم إذا نص على كلام ثم فُهِمَ منه معنًى آخر لم يُصرّح المتكلم به، ولم يتبناه، فإن هذا لا يُنسب للمتكلم ولا يلام عليه. انطلاقا من هذه القاعدة وتفسيرها فإن من يتحدث عن التأجيج والتحريض والشحن ضد آخر ويعارض ذلك ولا يرتضيه، فلا يعني ذلك أن المعارض للتأجيج موافق للآخر في فكره أو معتقده.
أنا هنا بكل صراحة ووضوح أعارض كل أنواع التأجيج والتحريض والتجييش، ضد أي طائفة أو دين أو مذهب، مهما كان هذا المذهب، وأرى أنه يجب علينا أن لا نستخدم الدين أو المذهب أو الطائفة في صراعنا أو خلافنا، وأدعو إلى أن يحل الحوار محل التأجيج والتحريض والتجييش والشحن.
الملاحظة الثانية: التجارب التاريخية.
في تاريخنا تجارب مؤلمة لحروب طائفية داخلية بين المسلمين أنفسهم، وبين المسلمين وغيرهم، وعلى العقلاء أن يعتبروا من هذه التجارب، فقد كلفت المسلمين كثيرا، وكانت فاتورتها عالية، ساهمت هذه الفاتورة في تأخر المسلمين وتقدم غيرهم.
الملاحظة الثالثة: من يحرك هذه الصراعات؟ الدين أم السياسة؟
الدين بريء من كل من يتخذه ذريعة للاحتراب الطائفي، فلا إكراه في الدين فكيف بالطائفة.إذا ما تحدثنا عن السياسة فهي لا تعترف بالمحرمات، والغاية تبرر الوسيلة، وفي فقه الصراع السياسي فإن السياسي يبيح لنفسه أن يستخدم كافة الخيارات الممكنة، وفي المعارك الطائفية يستخدم السياسي الدين كأداة، ويستخدم الوطن ويستخدم العرق واللون، علما بأنه كافر بكل هذه الأشياء، لكنها مادامت تخدمه فلا بأس باستخدامها.
إذا الصراع سياسي، وهذا ما ينطبق على حالنا في هذه الأيام، حيث يستخدم السياسي الورقة الطائفية للوصول إلى مبتغاه، ويوظف الدين كأداة، وتبعا للدين يوظف علماء الدين لخدمة أغراضه وهذا خطره جسيم؛ حيث يتوهم العالم أنه يخدم الدين في الوقت الذي يخدم السياسة والساسة، ويتبلور خطر هذا التوجه حين يعلن رجل الدين أن معركتنا معركة عقيدة، ثم يكتشف الناس أن الحقيقة مخالفة لما كان ينادي به رجل الدين، وحين يكتشف الناس أن رجل الدين ما هو إلا أداة، وهذا ما حدث في التاريخ ويحدث اليوم.
الملاحظة الرابعة: هل يمكن أن نتعايش بالرغم من اختلافاتنا.
ديننا دين سلام ودين يتسع للمخالف، وهذا إذا ما قرأناه بعيدا عن الساسة والسياسة، وعنوانه إعطاء الحرية للمخالف، قال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)، فلا يكره احد للدخول إلى هذا الدين، ولا يكره احد للبقاء فيه، وما عدا ذلك فحدود سياسية لا شرعية.
لقد وجهنا الحق سبحانه أن نحسن إلى من أحسن إلينا، وأن نبر الذين لم يقاتلوننا،قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، كما وجهنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أن نكف الأذى عن الناس، قال صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)، لقد وجهنا هذا الدين العظيم إلى أن نحسن إلى من أساء إلينا قال، تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ)، لقد بين لنا هذا الدين العظيم أن الحسن هو الوجه الحقيقي لتعامل المؤمن مع الآخر، وعلل ذلك بالآثار الناجمة عن خيار الحسن، قال تعالى:( ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
الملاحظة الأخيرة: أقول للذين يسيئون استخدام هذا الدين: ابحثوا لكم عن تجارة أخرى، ارحموا هذا الدين العظيم وخلصوه من شروركم؛ لكي يكون له المستقبل، إنكم إن أصررتم على ما انتم فيه فلن يكون المستقبل لكم، وسينتفض الشباب عليكم لأنه ليس لديكم ما تقدمونه، اتركوا المجال فسحا رحبا أمام المصلحين، وأنتم إن أصررتم على التصدي للمصلحين فمثلكم كمثل الذين شوشوا على الأنبياء، الله أراد لهذا الدين أن يكون رحمة فلا تجعلوه نقمة، الله أراد بالخلق الخير فلا تريدوا بالناس الشر.
نسأل الله تعالى أن يجعل غاية سعينا إليه وأن يصلحنا ويصلح بنا.


التعليقات
د حكيمة (.) الثلاثاء, 10/27/2015 - 14:29
جزااااكم الله خيرا يا دكتور كلام حكيم لكن القليل القليل من يفهمه فنسأل الله ان يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه
اضف تعليقك