
طلبة نيوز- د. عبدالله حسين العزام
مع اتساع نطاق عمل الجمعيات وتنوع أنشطتها على مستوى المملكة، لم يعد نشاط كثير منها محصوراً في المحافظة التي يوجد فيها مقرها الرئيسي، بل امتد إلى محافظات أخرى من خلال فروع ومكاتب ومراكز تابعة لها. وهذا الامتداد، وإن كان طبيعياً في عمل الجمعيات، يطرح سؤالاً مؤسسياً مهماً: من يتابع هذه الفروع في المحافظة التي تعمل فيها؟ ومن يملك معلومات محدثة عنها؟ ومن يرصد نشاطها ويقيّم أداءها؟
القضية ليست في قانونية إنشاء الفرع أو في تبعيته للجمعية الأم؛ فالأصل أن الفرع يبقى تابعاً للجمعية التي أنشأته، ولا يتحول بمجرد وجوده في محافظة أخرى إلى جمعية مستقلة. لكن الإشكالية تبدأ عند الانتقال من التبعية القانونية للمركز إلى واقع النشاط على الأرض.
فإذا كانت جمعية مسجلة في العاصمة ولها فرع في محافظة أخرى، فإن بقاء الفرع تابعاً للجمعية الأم لا ينبغي أن يعني غياب المعلومات عنه من الجهات الحكومية المختصة في المحافظة التي يعمل فيها. فالذي يحدد تبعية الفرع للجمعية الأم هو علاقته القانونية بها، أما المكان الذي يمارس فيه نشاطه فيفرض حاجة واضحة إلى وجوده ضمن خريطة المتابعة والتنسيق المحلي.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لجهة حكومية في محافظة أن تخطط للعمل الأهلي أو تنسق أنشطته أو تقيّم واقعه، إذا لم تكن لديها صورة واضحة عن الفروع التي تعمل داخل نطاقها؟
وكيف يمكن تقييم جمعية لديها فروع في عدة محافظات إذا كان جزء من نشاطها الفعلي لا يظهر بوضوح في الملفات المحلية؟
المسألة ليست مجرد نقص في البيانات، بل ترتبط بجودة التخطيط الحكومي ودقة المعلومات وعدالة تقييم أداء الجمعيات. فالانتشار الجغرافي، وعدد الفروع، وحجم الأنشطة، وعدد المستفيدين، ومدى الالتزام بالخطط والبرامج، كلها مؤشرات ينبغي أن تكون قابلة للرصد والتقييم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ملف محدث لكل فرع، تتكامل فيه معلومات الجمعية الأم وسجل الجمعيات والوزارة أو الجهة التي تتبع لها الجمعية، مع الجهة الحكومية المختصة في المحافظة التي يعمل فيها الفرع. ولا يعني ذلك إنشاء كيان قانوني جديد أو فصل الفرع عن جمعيته، وإنما ضمان وجود معلومات واضحة عنه: هل ما زال قائماً؟ من يديره؟ ما طبيعة نشاطه؟ وما الأنشطة التي نفذها؟
ويكتسب الأمر أهمية أكبر عندما يتعلق بالجانب المالي. فإذا كان للفرع نشاط فعلي، فقد تترتب عليه نفقات أو موارد أو تبرعات مرتبطة بأنشطته، وفقاً للتشريعات النافذة. وهنا يجب أن يكون المسار المالي واضحاً: كيف تدار الموارد؟ أين تسجل؟ ومن يملك صلاحية الإنفاق؟ وهل تظهر إيرادات الفرع ونفقاته ضمن الحسابات والتقارير المالية للجمعية الأم؟
ولا يعني طرح هذه الأسئلة افتراض وجود مخالفات، وإنما التأكيد على أن وضوح المسار المالي يحمي الجمعية والفرع والجهات الرقابية، ويمنع تضارب الصلاحيات أو نشوء قنوات مالية غير واضحة.
وهنا يأتي الدور الأساسي لسجل الجمعيات. فدوره لا ينبغي أن يقتصر على حصر الجمعيات المسجلة، وإنما يجب أن يوفر صورة محدثة عن الجمعيات وفروعها، ومواقعها، وطبيعة أنشطتها، وإداراتها، ومدى استمرارها، وقرارات إنشائها واستمرارها، مع ضمان وصول المعلومات ذات الصلة إلى الوزارات والجهات الحكومية المختصة في المحافظات.
وهنا يبرز سؤال عملي لا يقل أهمية: هل تتضمن قاعدة البيانات الوطنية للجمعية الأم معلومات واضحة ومحدثة عن فروعها، ومواقعها، ونطاق عملها، وأنشطتها في مختلف المحافظات؟
فإذا كانت الجهات الحكومية تريد التخطيط للعمل الأهلي وتقييم أثره، فإن معرفة عنوان المركز الرئيسي للجمعية لا تكفي وحدها؛ المطلوب أن تكون فروعها جزءاً من الصورة المؤسسية للجمعية الأم، وأن تكون بياناتها قابلة للتحديث والرصد، بما يتيح تكوين صورة واقعية عن انتشار النشاط الأهلي في كل محافظة.
كما ينبغي أن تكون المرجعية الحكومية لكل جمعية واضحة، سواء كانت مرتبطة بوزارة التنمية الاجتماعية أو وزارة الثقافة أو وزارة التنمية السياسية أو غيرها من الجهات المختصة، بحيث تكون مسؤولية المتابعة والتنسيق وتحديث البيانات محددة، ولا تضيع بين أكثر من جهة.
وفي المقابل، تحتاج الجهات الحكومية في المحافظات إلى أن تكون جزءاً من هذه المنظومة، من خلال امتلاك معلومات واضحة عن الفروع العاملة ضمن نطاقها، ومتابعة نشاطها ضمن حدود الصلاحيات التي يحددها القانون.
وبذلك تتكامل الأدوار: الجمعية الأم مسؤولة عن فرعها، والجهة الحكومية المختصة في المحافظة تتابع النشاط الواقع ضمن نطاق اختصاصها، بينما يحتفظ سجل الجمعيات بالصورة المركزية للجمعية وفروعها.
وهذه المعادلة لا تفصل الفرع عن الجمعية الأم، وإنما تمنع وجود فراغ بين التبعية القانونية وواقع النشاط المكاني.
كما أن تقييم الجمعية ينبغي ألا يقتصر على نشاط مركزها الرئيسي، بينما يبقى نشاط فروعها خارج الحساب. فإذا كانت الجمعية تمتلك انتشاراً جغرافياً واسعاً، فيجب أن ينعكس ذلك في تقييم أدائها وفق معايير واضحة، كما ينبغي أن يكون الإعلان عن وجود الفروع قابلاً للتحقق من حيث وجودها واستمراريتها ونشاطها.
فالقضية في جوهرها ليست «ملف فرع» فقط، وإنما قضية معلومات وتخطيط وتقييم وشفافية ومسؤولية إدارية ومالية. والمطلوب ليس فرض عبء إداري جديد على الجمعيات، بل تنظيم العلاقة بين الجمعية الأم وفروعها والمحافظات وسجل الجمعيات بطريقة تمنع الفراغ وتوضح المسؤوليات.
كل فرع يجب أن يكون معلوماً لدى الجهات المختصة، وإدارته واضحة، ونشاطه قابلاً للرصد والتقييم، وموارده ونفقاته ضمن مسار مالي واضح، وفق التشريعات والأنظمة النافذة.
والسؤال الذي ينبغي أن يكون على طاولة الحكومة، وسجل الجمعيات، والوزارة التي تتبع لها الجمعية أو الفرع، ليس فقط: هل الفرع قائم بصورة قانونية؟
بل أيضاً: أين ملفه؟ من يديره؟ ماذا يفعل؟ ومن يتابع نشاطه؟ وكيف تظهر موارده ونفقاته ضمن الصورة المالية للجمعية الأم؟
فإذا كانت الدولة تريد تكوين صورة حقيقية عن واقع الجمعيات على امتداد المملكة، فلا يكفي أن تعرف عناوين مراكزها الرئيسية، بل عليها أن تعرف أين تعمل، وأين تمتد، وما الذي تفعله فروعها، ومن يديرها، وما أثر نشاطها في المحافظات.
وهذا هو الملف الذي يستحق أن يكون على طاولة الحكومة وسجل الجمعيات: مرجعية واضحة، معلومات محدثة، قاعدة بيانات تعكس فروع الجمعية الأم، مسؤولية محددة، ومتابعة لا تتوقف عند عنوان المركز الرئيسي.


اضف تعليقك