TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
لماذا يرتعبونَ من النقد
06/01/2019 - 8:30pm

طلبة نيوز-
أ.د. خليل الرفوع

يقصدُ بالمرتعبين في هذا المقال بعضُ أصحاب الدولة السابقين ، والمعالي والسعادة الحاليينَ في مجلسي الوزراء والنواب - وأغلبها ألقاب منفعة في غيرِ موضعِها - ومن لفَّ لفَّهم ودار في ذاتِ الحمي المحميِّ ، الذين يخشون النقد بفعل أخطائهم ،( وهنا يُذْكَرُ نوابٌ معاصرون وسابقون عملوا بصدق ولم يدخلوا في جيوبهم قرشا واحدا حراما وما بدلوا تبديلا فكانوا قدوة حسنة ولو شاءوا لأكلوا أموال الناس والدولة بالباطل وبغيره ولكنها الرجولة والأمانة والتقوى) وليس الغريبُ ما يُعْلمُ بالضرورة كيف تُوَزَّع المناصبُ والأعطياتُ الوظيفية التي أبى بعضُهم إلا أن توزعَ بالباطل بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِ فقير، والحالُ معروف لا ينجِّـمُه منجمٌ ولا يخطُّه عرَّاف ولا كذلك الضارباتُ بالحصى ، والسؤالُ الوجودي الأردني هو: حينما يخطئ المسؤول خطأ أو خطيئةً لا فرق بينهما ، لماذا لا يُسْمَعُ لرأي المواطنِ أكان بريئا أم عبثيا أم فاضحا ؟ وهنا يستطيعُ المسؤولُ المحميُّ بكل التعليمات والأنظمةِ أن يشكو في المحاكم كلَّ مَنْ باحَ بكلمة ناقدة ، وأما المواطنُ الناقدُ فلا يستطيع إلى ذلك سبيلا ودونه كلُّ الأهوال ، وخوفا من شيوع النقد شُرِّع قانونُ الجرائم المُعدِّلُ أصلا لحماية المسؤولين ؛ لأنهم لا يستطيعون العمل تحت الشمس فالخفاء أستر! فالمرعوبُ الذي يرتجف قلمُه ويضطربُ قلبُه وترتعدُ فرائصُه من النقدِ ليس جديرا بأي مسؤوليةٍ ، فكان الحلُّ في تخويف مَنْ يراقبُون ويتابعون من الناس بعد أن تشابهَ علينا الوزراءُ والنوابُ فتوارتِ المراقَبات وراءَ الرَّغبات ، ألم تصبحْ عيونُ النواب عن عيوبِ الوزراء كليلةً وكان الردُّ من إخوتهم الوزراء : ولستُ بهيَّابٍ مَنْ لا يهابُني ، تلك هي المسألةُ إذن ، والدليل على ذلك أن هؤلاءِ وأولئك قد اتفقوا سرا وعلنا على القانون المعدل للجرائم الألكترونية ولولا حناجرُ الرابعِ وصيحاتُـه لما أعيدَ إلى مجلس الوزراء وسَيُـفْـعَل به ما فُعِلَ بأخيه قانونِ الضريبة من قبلُ ، ولن يكون شهابُ الدين أفضلَ من أخيه ، ولو صدقوا لأقروا قانونا لجرائم الفساد والسارقين واللصوص والهاربين ومهربيهم والذين تسللوا من الوطن لِواذًا ، ولكانَ سؤالُ الناس من أين لكم هذه الأموالُ والقصورُ هو بدايةَ القوننة والحوكمة والنزاهة الراشدة ، وسيقولون بل تحسدوننا بل لا يكادون يفقهون لسان الوطن المبين فقد نُـبِّـئَنا من أخباركم وسوآتِكم ولكنكم قوم تفرقُونَ ، ولو صدقتم الفعلَ لقلتم كما قال المتنبى :
وإذا أتتكَ مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادةُ لي بأني كامل
فالمشكلة التي تستعصي على إدراك وعي المسؤولين هي: مالية اختلاسية ارستقراطية وليس أخلاقية شعبية ، وللأسف فقد تحولت إلى أسرية إقطاعيةٍ.
وبعد ، فتبدو مشكلة قانون الجرائم الألكترونية متأرجحة بين حقين من حقوق الإنسان هما : حق المواطن في التعبير عن رأيه وحق الحكومة في ضبط النظام ومنع الاعتداء على حقوق الآخرين ، وهذا القانون يحتاج إلى إعادة التوازن بين الحقين بلا تشدد من المشرِّع وكذلك بلا تفريط .
لقد نصت المادة 15/1 من الدستور الأردني على أن : " تكفل الدولة حرية الرأي ، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز القانون " فالحكومة ملزمة بكفالة حرية التعبير، لكن في ظل القانون الذي يكفل حقوق الناس جميعا فالحرية مقيدة ، ولهذا فالمطلوب من القانون المعدل هو أن يكون واضحا دالة أحكامُه غير تعسفية مع توافر الضمانات القضائية ، والتقييد جاء لاحترام سمعة الآخرين وحقوقهم ولحماية الأمن الوطني والنظام العام وما فيه من آداب وأخلاق وتقاليد متعارف عليها ومنع الجريمة أو إفشاء المعلومات السرية ونزاهة السلطة القضائية والترويج لأفكار حِرابيَّةٍ إرهابية أو تحقير الدولة أو إهانة أي معتقد أو إذاعة أخبار كاذبة وغير ذلك ، وهذا كله يحتاج إلى مسؤولية ضابطة ، ومتابعة من كل المعنيين في أجهزة الدولة بالحق، وقد نصت المادة 7/ 2 من الدستور على أنَّ " كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون" وهي لا تتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على أنه " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود" وفي ضوء ذلك يمكن القول : إن مشروع القانون الموجود حليا يحتاج إلى دراسة وتمحيص في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بحيث لا يكون سيفا مرفوعا على رقاب الناس ، وأن تكون الحكومة واضحة في أعمالها وسلوكياتها للمواطنين سرا وعلانية فلا تترك مجالا للشكوك يدور على ألسنة الناس ، فمنصات التواصل الاجتماعي أضحت كمجالس الغيبة والنميمة لكنها مكشوفة معلنة فيها الصدق وفيها الكذب ، وأن لا يضعَ المسؤول نفسه في مواقع الريبة والشبهات المالية والتوسطية وغيرها ، ونظن أن الأردنيين يدركون ما يحيط بهم ولا يخفى عليهم ما يقوم به المسؤولون ، وتعليقاتُهم في أغلبها نقد ساخر لا يصل إلى الاغتيال الشخصي أو الجسدي أو الإجرام القولي أو الفعلي ، ومن لا يعجبه ذلك من المسؤولين فليجلسْ في بيته فالمنصب شرفٌ وليسَ ترفا، فماذا ينتظرون من شعب مقهور يرى بأم عيونه الفسادَ يلتهمُ خزائنَ الأرض وما ادَّخره لسِنِي يوسفَ.
فالقانون يحتاج إلى إعادة قراءة من الإعلاميين ، وبخاصة أصحاب الصحف المكتوبة والألكترونية والقانونيينَ والشباب والهيئة القضائية والأجهزة الأمنية والنقابات وأساتذة الجامعات ، فكلٌ عنده تجربته ، ألم تزعُم الحكومةُ أنها فتحت منصاتٍ للتغذية الراجعة ؛ فالقوانين الخطيرة الكبرى ينبغي أن يكون للناس فيها رأيٌ في غياب مجلس نواب - أعظم اللهُ أجرَ الأردنيين فيه - معروفةٌ محسوبةٌ أصواته ، ومجلسِ أعيان - رحم الله عظامَ أعمدتهِ النَّخِرَة – كراسيُّه محنطةٌ منذ العصورِ العُصْمَليَّة ؛ فالتروي قبل إقراره خير للحكومة والمواطنين الذين هم بحاجة إلى قانون وطني حقيقي ينطلق منهم ولا يفرض عليهم فرضا ، والتوعية بنصوص القوانين ومآلاتها ضرورة لا بد أن تنهض بها أجهزة الدولة ، وحتى لا يرتعدَ المسؤول فعليه الصدق في القول والعمل فلا خيرَ فيه إن لم يسمع النصيحة أو النقد.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)