TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
مجالس الأمناء: حين يصبح العمر مقياسًا
06/09/2026 - 3:45pm

د. محمد القضاة
ليست المشكلة في أن يأتي جيل جديد بأفكاره وحماسته، ولا في أن يحضر أصحاب الخبرة بما راكمته السنوات من معرفة وتجربة؛ فالمجتمعات لا تتقدم بجيل يلغي جيلًا، ولا بعمر يحل محل عمر، وإنما بتفاعل الخبرة مع الحيوية، والذاكرة مع التجديد، والجرأة مع القدرة على تقدير ما يمكن أن يترتب على القرار.
والسؤال الذي يجب التوقف عنده اليوم هو: متى يصبح العمر مقياسًا للحكم على الإنسان؟ ومتى تتحول السنوات التي يفترض أن تكون رصيدًا من المعرفة إلى عبء يحتاج صاحبه إلى الدفاع عنه؟ وهل يكفي أن يكون الإنسان أصغر سنًا حتى يكون أكثر قدرة على الإدارة والتغيير؟ وهل تكفي كثرة السنوات وحدها لمنح صاحبها صك الكفاءة؟ أم أن المسألة، في جوهرها، ليست في العمر أصلًا، وإنما في ماذا انجز الإنسان في عمره؟
هناك فرق بين تجربة تتشكل في سنوات قليلة، وتجربة نضجت عبر عقود من العمل والمثابرة والخطأ والمراجعة وتحمل المسؤولية. نعرف ان الشباب يمنح صاحبه طاقة لا تُنكر، ورغبة في التجريب، وسرعة في التقاط الجديد، وربما شجاعة في كسر المألوف، وهذه كلها قيم ضرورية؛ لكن الحماسة، حين تنفصل عن التقدير، فقد تتحول إلى استعجال، والاستعجال قد يصنع قرارًا لامعًا في لحظته، ثم يكشف الزمن كلفته.
أما الخبرة فلا تعني مجرد أن الإنسان تجاوز عمرًا معينًا، وإنما تعني ما تراكم في وعيه من مواقف وقرارات ونتائج ونجاحات وإخفاقات. وصاحب الخبرة لا ينظر إلى القرار في لحظته فقط؛ وغالبًا ما يسأل: ماذا سيحدث بعده؟ وما الذي لا نراه الآن؟ ومن سيدفع ثمن الخطأ إذا أخطأنا؟ وهذه الأسئلة ليست بطئًا في التفكير، كما قد يظن البعض، وإنما هي أحد أشكال المسؤولية.
ومن هنا يصبح النقاش حول مجالس أمناء الجامعات ومجالسها الحاكمة أكثر حساسية؛ فقد امتلأت منصات التواصل وبعض المواقع الاكترونية بآراء تقدم أصحاب الخبرة وكأنهم أصبحوا عبئًا على الجامعات وغيرها، أو كأن مجرد تجاوز الإنسان سنًا معينة يعني تلقائيًا أنه استنفد قدرته على العطاء، وبعض الخطاب النقدي يذهب أبعد من ذلك، فيصور حضور أصحاب الخبرة في هذه المواقع وكأنه نوع من الاستحواذ على الجامعات مع انه غير صحيح إطلاقا.
وهنا يثور سؤال بسيط؛ غير أنه ليس ساذجًا: من أين يستمد بعض هؤلاء حق الحكم على التجربة الجامعية؟ ماذا ننتظر من كاتب لا يحمل حتى درجة جامعية، أو من شخص لا علاقة له بالعمل الجامعي، ويتحدث بثقة عن الجامعات وتركيب مجالسها، واختيار أعضائها، وكفاءة من عملوا فيها سنوات طويلة؟ هل يكفي أن نمتلك منصة حتى نمتلك المعرفة؟ وهل إتقان صياغة النقد يعادل امتلاك أدوات الموضوع الذي ننتقده؟ النقد حق، وهو ضرورة لأي مؤسسة حية. غير ان النقد شيء، وإصدار الأحكام من خارج المعرفة شيء آخر. فالجامعة ليست مؤسسة عابرة يمكن اختبار وصفات الإدارة فيها كلما تغير المزاج العام، وليست ساحة مفتوحة لتجارب الأشخاص والأفكار غير الناضجة. هذه مؤسسة لها تاريخها وتقاليدها وأعرافها الأكاديمية وقوانينها وأنظمتها، وأي تغيير فيها يجب أن يُقاس بما يضيفه إلى قدرتها على أداء رسالتها، لا بمجرد كونه جديدًا.
وهنا تظهر مفارقة أخرى تستحق التأمل. إذا كان من حق الشباب أن يطالبوا بالتجديد، فمن حق أصحاب الخبرة أن يسألوا: هل كل جديد أفضل؟ وإذا كان من حق المجتمع أن يطالب بالتغيير، فمن حقنا أن نسأل: ما المعايير التي سيقوم عليها هذا التغيير؟ وإذا كان المطلوب ضخ دماء جديدة في مجالس الجامعات، فلماذا لا يكون التجديد قائمًا على الكفاءة والتخصص والنزاهة والقدرة على الإضافة، بدل أن يصبح العمر هو المعيار الضمني؟
والأمر نفسه ينطبق على أصحاب الخبرة. ليس كل من تقدم في العمر صالحًا لكل موقع، وليس كل شاب يقدر على كل مهمة. والعمر وحده لا يصنع الكفاءة، ولا يلغيها، ولذلك فالسؤال الأصح هو: كم عمر هذا الشخص؟ وماذا قدم؟ وما الذي يعرفه؟ وما الذي يستطيع أن يضيفه؟ لقد شهدت عملية تشكيل مجالس الأمناء في الجامعات تسارعًا فتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول طبيعة الاختيارات ومعاييرها. وحين يبدو المشهد، في نظر المتابع، وكأنه يدور حول أسماء أو مناطق، فإن السؤال الأكاديمي لا ينبغي أن يكون اتهامًا لأحد، وإنما مطالبة بتفسير واضح: ما الأسس التي تحكم الاختيار؟ وما المعايير التي تجعل شخصًا مؤهلًا وآخر غير مؤهل؟
ففي الجامعات الأردنية، كما في غيرها من المؤسسات الأكاديمية، يوجد أساتذة وباحثون وإداريون يمتلكون تجربة طويلة، وسيرة مهنية، وحضورًا أكاديميًا وأخلاقيًا، وقدرة على الإسهام. وليس معنى ذلك أن الجميع ينبغي أن يكونوا أعضاء في مجالس الأمناء؛ فهذا غير منطقي. غير أن المنطقي أن تكون عملية الاختيار مفهومة، وأن يعرف الجميع أن المعيار هو الكفاءة والقدرة على الإضافة، لا القرب، ولا الانتماء، ولا الجغرافيا، ولا الصداقات، ولا مجرد الرغبة في تقديم صورة جديدة.
ويستوقفني، في هذا السياق، مقدار التهاني التي تنهمر على وسائل التواصل الاجتماعي بمناسبة اختيار بعض الأشخاص لعضوية مجالس أمناء الجامعات الرسمية والخاصة، وكأننا أمام إنجاز استثنائي يستدعي كل هذه الاحتفالية الإعلامية. أستغرب حقيقةً هذه المبالغة؛ فعضوية مجلس الأمناء، في أصلها، مسؤولية مؤسسية قبل أن تكون وجاهة اجتماعية، وتكليف يقتضي الخبرة والنزاهة والقدرة على الإسهام في تطوير الجامعة، لا مناسبة لصناعة صورة شخصية أو تحويل موقع مؤسسي إلى مادة للتهنئة والاستعراض

وأقول ذلك من واقع تجربة؛ فقد كنت عضوًا في مجالس أمناء جامعات رسمية مدة ثماني سنوات، من عام 2010 حتى عام 2020، وكانت العضوية عملًا تطوعيًا بامتياز، ولم يتقاض اي عضو يومذاك قرشًا واحدًا. وكان ذلك، في نظري، منطق الأشياء؛ لأن عضوية مجلس الأمناء مسؤولية وخدمة تطوعية للجامعة، وليست وظيفة يتقاضى صاحبها مقابلها أجرًا.
واللافت في تلك الفترة، انه لم نرَ عضوًا في مجالس الأمناء يكتب عن نفسه ويقدم عضويته بوصفها إنجازًا شخصيًا يستحق كل هذه الضجة الإعلامية. لقد كانت العضوية تكليفًا يؤدى، والمسؤولية تُحمل، ثم يمضي الإنسان إلى عمله. لذلك لا أدري لماذا تحولت عضوية مجلس الأمناء اليوم إلى مناسبة لكل هذا الهيلمان من التهاني والاحتفاء.
هل أصبحت قيمة الموقع في عدد التهاني التي يحصدها صاحبه، أم في مقدار ما يستطيع أن يضيفه إلى المؤسسة التي اؤتمن عليها؟ وهل تحتاج المسؤولية الجامعية فعلًا إلى كل هذا الضوء المحيط بها، أم أن قيمتها الحقيقية تظهر في ما ينجزه صاحبها حين ينصرف الضوء عنه؟
ربما نحتاج إلى شيء من الهدوء في النظر إلى هذه المواقع، وإلى إعادة الاعتبار إلى معناها الحقيقي: تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا وجاهة، وعمل للجامعة لا إعلان عن الذات.
والأغرب من ذلك أن أصحاب الخبرة أنفسهم أحيانًا يتركون الآخرين يتحدثون عنهم وكأنهم لا علاقة لهم بما يحدث. لماذا؟ لماذا يصمت من قضى عقودًا في العمل العام او الجامعة أمام من يختصر تجربته كلها في رقم؟ ولماذا لا يتحدث أصحاب التجربة عن تجربتهم بأنفسهم؟ أليس من حق الجامعة أن تسمع صوت الذين عرفوا تفاصيلها من الداخل، لا أن تكتفي بما يقال عنها من الخارج؟ غير ان هذا السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع أعمى عن الماضي. فليس كل ما صنعه السابقون صحيحًا، وليس كل تجربة طويلة جديرة بالتكرار. الخبرة الحقيقية لا تخاف من المراجعة، ولا تعتبر النقد تهديدًا، ولا تتعامل مع الشباب باعتبارهم خصومًا. وصاحب الخبرة الذي لا يستطيع أن يتعلم من الجيل الجديد قد يكون امتلك سنوات كثيرة، لكنه لم يحولها إلى معرفة. وفي المقابل، فإن الشباب الذين يرفضون كل ما سبقهم لمجرد أنه «قديم» قد يقعون في الخطأ نفسه الذي ينتقدونه. فهل يصبح الجديد جيدًا لأنه جديد؟ وهل يصبح القديم سيئًا لأنه قديم؟ وهل يمكن أن نؤسس جامعة قوية على فكرة أن نبدأ من الصفر كلما ظهر جيل جديد؟ ربما تكون المعادلة الأكثر عدلًا هي أن نمنح الشباب فرصة الحركة، ونمنح أصحاب الخبرة قيمة الذاكرة، ثم نضع الاثنين أمام معيار واحد: ماذا يستطيع الإنسان أن يقدم للجامعة وغيرها؟
لقد عشت التجربتين؛ تجربة الحماسة التي تدفع الإنسان إلى الأمام بسرعة، وتجربة الخبرة التي تعلمه أن بعض الخطوات تحتاج إلى قدر من التروي. وأعرف أن الحماسة ضرورية، لكنني أعرف أيضًا أننا قد ندفع ثمن الاستعجال. ولذلك أسأل قبل كل قرار: هل أريد أن أصل سريعًا، أم أن أصل بطريقة صحيحة؟ وهل ما يبدو الآن إنجازًا سريعًا سيظل كذلك عندما ينظر إليه الزمن بعد سنوات؟
ربما لا تحتاج جامعاتنا إلى معركة بين الأعمار بقدر ما تحتاج إلى معركة مع المعايير المختلة. لا تحتاج إلى أن تنتصر فئة على أخرى، بل إلى أن تنتصر الكفاءة على المحاباة، والمعرفة على الانطباع، والخبرة الحقيقية على مجرد الأرقام، والتجديد المسؤول على الاندفاع.
فالسؤال في النهاية ليس: من الأكبر ومن الأصغر؟ السؤال: من الأقدر؟ وليس: من مضى عليه زمن طويل؟ وماذا صنع في هذا الزمن؟ وليس: من جاء بفكرة جديدة؟ وإنما هل يستطيع أن يجعلها أفضل من الفكرة التي سبقتها؟
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول العمر إلى مقياس جاهز للحكم، فنستبعد إنسانًا لأنه تجاوز السبعين او الثمانين، أو نمنح آخر ثقة كاملة لأنه لم يبلغ الأربعين. عندها لا نكون قد جددنا المؤسسة، وإنما استبدلنا معيارًا بآخر. فالجامعة لا تحتاج إلى أعمار متشابهة، وإنما إلى عقول مختلفة، وخبرات صادقة، ومعايير عادلة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل اختيار: هل نبحث عما هو جديد، أم عما هو أفضل؟ وهل نريد الخبرة لأنها طويلة، أم لأنها قادرة على أن الإضافة والتميز والإبداع ؟
mohamadq2002@yahoo.com

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)