TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
مشروع القانون الجديد يغيّر السؤال: هل تستطيع الجامعات الحكومية البقاء ماليًا أصلًا؟
09/05/2026 - 10:45am

في النقاش الدائر حول مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، يجري التركيز بكثافة على الحوكمة، والاستقلالية، وربط التعليم بسوق العمل، وصلاحيات المجلس الجديد. لكن هناك ملفًا أكثر حساسية من كل ذلك، وربما أكثر قدرة على تحديد مصير التعليم العالي في الأردن خلال العقد المقبل: مديونية الجامعات الحكومية. 

السبب بسيط.
القانون يعيد بناء هيكل السلطة في التعليم العالي، لكنه لا يعيد بناء النموذج المالي الذي تعمل ضمنه الجامعات الحكومية. وهذه ليست ثغرة جانبية، بل جوهر القضية كلها.

النص يمنح المجلس الجديد سلطة اعتماد موازنات الجامعات الرسمية وتوزيع الدعم الحكومي عليها. 
لكن القانون، في المقابل، لا يقدّم أي إطار مالي جديد يجيب عن السؤال المركزي: كيف ستعمل الجامعات الحكومية اقتصاديًا بعد هذا التحول؟

وهنا تظهر النقطة الأكثر أهمية في المشروع كله:
الدولة تعيد تنظيم السيطرة على الجامعات قبل أن تعيد تنظيم تمويلها.

هذا التحول ليس إداريًا فقط، بل يعكس تغييرًا أعمق في طريقة النظر إلى الجامعات الحكومية نفسها. فالنموذج التقليدي كان يفترض أن الجامعات الحكومية مؤسسات عامة تموّلها الدولة بدرجات متفاوتة لأنها تؤدي وظيفة وطنية تتجاوز السوق. أما الاتجاه الذي يوحي به مشروع القانون فيبدو مختلفًا؛ إذ يجري التعامل مع الجامعات بوصفها وحدات إنتاج يفترض أن تصبح أكثر كفاءة مالية، وأكثر ارتباطًا بالطلب الاقتصادي، وأكثر قدرة على تبرير كلفتها.

بمعنى آخر، القانون لا يقول صراحة إن الجامعات الحكومية يجب أن تموّل نفسها، لكنه يبني البيئة التشريعية التي تجعل هذا الاحتمال أقرب من أي وقت مضى.

المشكلة أن الجامعات الحكومية الأردنية تدخل هذه المرحلة وهي أصلًا في وضع مالي هش. جزء كبير من موازناتها يذهب للنفقات الثابتة: الرواتب، التقاعد، التشغيل، وخدمة الدين. أما الاستثمار الحقيقي في البحث العلمي، والتكنولوجيا، والمختبرات، واستقطاب الكفاءات، فيتراجع تدريجيًا تحت ضغط العجز المالي.

وفي الوقت نفسه، يرفع مشروع القانون سقف التوقعات من الجامعات بصورة غير مسبوقة. فهو يتحدث عن:
• تنافسية عالمية،
• تحول رقمي،
• مواءمة مع الاقتصاد الحديث،
• تطوير الموارد البشرية،
• وتعزيز الجودة. 

لكن هذه الأهداف تحتاج نموذج تمويل مختلفًا كليًا، لا مجرد إعادة توزيع للصلاحيات.

التحول الرقمي وحده يحتاج استثمارات ضخمة. تحديث البنية التكنولوجية يحتاج تمويلًا. البحث العلمي يحتاج تمويلًا. رفع التصنيفات العالمية يحتاج تمويلًا. حتى استبقاء أعضاء هيئة التدريس الأكفاء أصبح قضية مالية بالدرجة الأولى. ومع ذلك، لا يقدم مشروع القانون أي تصور اقتصادي واضح لكيفية تمويل هذا التحول.

وهذا يقود إلى نتيجة شديدة الأهمية:
القانون يعيد تعريف الجامعات الحكومية تنظيميًا، لكنه يترك مستقبلها المالي مفتوحًا بالكامل.

في هذه الحالة، تبدأ الجامعات تلقائيًا بالبحث عن مصادر بقاء ذاتية. وهنا تتغير وظيفة الجامعة تدريجيًا من مؤسسة معرفة إلى مؤسسة إدارة إيرادات. تصبح البرامج الأكاديمية مرتبطة بقدرتها على التمويل، والتخصصات مرتبطة بقدرتها على الاستمرار ماليًا، والقرارات الأكاديمية مرتبطة بكلفتها التشغيلية.

في هذه البيئة، لا تعود المديونية مجرد مشكلة محاسبية، بل تتحول إلى عامل يعيد تشكيل القرار الأكاديمي نفسه.

كل جامعة حكومية مثقلة ماليًا ستتجه تلقائيًا نحو:
• برامج أقل كلفة،
• تخصصات أكثر طلبًا تجاريًا،
• توسع في التعليم الموازي،
• زيادة الاعتماد على الرسوم،
• وتقليص المجالات الأقل ربحية.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يطرحه مشروع القانون، حتى لو لم يكتبه صراحة:
هل لا تزال الدولة ترى الجامعات الحكومية أداة سيادية واستراتيجية تستحق التمويل طويل الأمد، أم أنها تتجه إلى نموذج تعتبر فيه الجامعات مسؤولة تدريجيًا عن بقائها المالي بنفسها؟

هذا ليس نقاشًا نظريًا. لأنه إذا لم يُحسم هذا السؤال بوضوح، فإن الجامعات الحكومية الأردنية ستدخل خلال السنوات المقبلة في مرحلة جديدة بالكامل: مرحلة تصبح فيها القدرة على الاستمرار المالي أكثر تأثيرًا من القدرة على إنتاج المعرفة نفسها.

وفي هذه الحالة، لن يكون التحدي الأساسي أمام الجامعات هو التنافس عالميًا، بل الحفاظ على توازنها المالي الداخلي دون أن تفقد وظيفتها الأكاديمية الأساسية.
ا د. هاني الضمور

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)