
د. زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية
ليست كل الأزمات التي تواجه الجامعات مرئية. فبعضها لا يظهر في تقارير الاعتماد، ولا في مؤشرات التصنيف، ولا حتى في نسب النجاح والرسوب. هناك أزمة أعمق، أكثر هدوءًا، لكنها أكثر تأثيرًا: ما يجري داخل الطالب نفسه.
في السنوات الأخيرة، لم يعد التعليم مجرد عملية نقل معرفة، بل أصبح تجربة نفسية مركّبة. الطالب اليوم لا يدخل القاعة الدراسية فقط بعقله، بل يحمل معه قلقه، وضغوطه، وأسئلته الوجودية، ومخاوفه من المستقبل. ومع تسارع التحولات، خصوصًا مع انتشار التعلم الإلكتروني، أصبحت هذه الضغوط أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
لقد غيّر التعلم الإلكتروني طبيعة العلاقة بين الطالب والجامعة. صحيح أنه منح مرونة غير مسبوقة، وفتح أبوابًا واسعة للوصول إلى المعرفة، لكنه في المقابل قلّل من التفاعل الإنساني المباشر، وأضعف الإحساس بالانتماء الأكاديمي. الطالب الذي كان يجد في الحرم الجامعي بيئة اجتماعية داعمة، أصبح أحيانًا يتعلم في عزلة، أمام شاشة، دون شبكة أمان نفسية حقيقية.
وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبح التعلم أكثر “ذكاءً” تقنيًا، أصبح أكثر هشاشة نفسيًا، إن لم يُصمم بعناية. فالإجهاد الرقمي، وتشتت الانتباه، وضبابية الحدود بين الدراسة والحياة الشخصية، كلها عوامل جديدة تضغط على الطالب دون أن تكون مرئية في التقييمات التقليدية.
تشير الخبرات التربوية الحديثة إلى أن جودة العملية التعليمية لا تتعلق فقط بالمحتوى، بل بتجربة التعلم ككل، بما فيها البعد النفسي والتحفيزي والتفاعلي . وعندما يُهمل هذا البعد، تتحول العملية التعليمية إلى عبء، مهما كانت جودتها الأكاديمية.
الضغوط التي يعيشها الطلبة اليوم ليست بسيطة. فهي مزيج من ضغوط أكاديمية، واقتصادية، واجتماعية، إضافة إلى قلق مستمر من سوق عمل متغير، حيث لم تعد الشهادة وحدها كافية. وفي السياق الأردني تحديدًا، حيث يشكل الشباب نسبة كبيرة من المجتمع، ويواجهون تحديات حقيقية في الانتقال إلى سوق العمل، تتضاعف هذه الضغوط وتنعكس مباشرة على استقرارهم النفسي وتجربتهم التعليمية .
وقد أظهرت تجارب ودراسات تربوية أن هذا القلق، إذا لم يُدار بشكل صحيح، يمكن أن يتحول إلى حالة من الإحباط أو الاكتئاب، بل وقد يدفع بعض الشباب إلى الانسحاب من الحياة الأكاديمية أو اتخاذ قرارات قاسية بحق أنفسهم .
الحالات التي نسمع عنها بين الحين والآخر، والتي قد تنتهي بشكل مأساوي، ليست أحداثًا معزولة، بل إشارات إنذار مبكر. فهي تكشف أن الطالب قد يصل إلى نقطة الانهيار داخل نظام تعليمي لا يملك آليات كافية للاكتشاف المبكر أو التدخل السريع. وهنا تتحول المسؤولية من فردية إلى مؤسسية.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “السلامة النفسية” في الجامعات ضرورة، لا ترفًا. وهي لا تعني فقط وجود مرشد نفسي، بل منظومة متكاملة تبدأ من تصميم البرامج التعليمية، وتمر بأساليب التدريس، وتصل إلى سياسات التقييم.
فمثلًا، البرامج التعليمية المصممة بشكل جيد تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية، وتوفر تجارب تعلم مرنة ومتنوعة، مما يعزز دافعية الطالب ويقلل من التوتر . كما أن تنويع أدوات التقييم، بدل الاعتماد الكامل على الامتحان النهائي، يخفف من الضغط النفسي ويعطي صورة أكثر عدالة عن أداء الطالب.
أما على مستوى التعلم الإلكتروني، فإن التحدي الأكبر ليس في توفير المنصة، بل في بناء تجربة إنسانية داخلها. كيف نجعل الطالب يشعر أنه جزء من مجتمع تعلم، وليس مجرد رقم؟ كيف نحافظ على التفاعل، وعلى الإحساس بالدعم، وعلى القدرة على طلب المساعدة؟ وكيف نرصد مبكرًا مؤشرات الإجهاد أو الانسحاب؟
ومن زاوية أوسع، فإن التحولات في سوق العمل، والتغيرات الاقتصادية العالمية، تزيد من هذا الضغط النفسي على الطلبة، وتعمّق شعور عدم اليقين لديهم . وهذا ينعكس مباشرة على تجربتهم التعليمية.
لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي في التعليم العالي يجب أن يعيد التوازن بين ثلاثة أبعاد:
المعرفة، والمهارة، والحالة النفسية.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: هل ندرك المشكلة؟ بل: ماذا سنفعل حيالها؟
يمكن للجامعات أن تبدأ بخطوات عملية وواضحة تعيد التوازن إلى التجربة التعليمية، من خلال إدماج مؤشرات “السلامة النفسية” ضمن معايير الجودة والتقييم الأكاديمي بدل إبقائها في الهامش، والعمل على تدريب أعضاء هيئة التدريس لتمكينهم من اكتشاف العلامات المبكرة للضغط النفسي لدى الطلبة، إلى جانب إعادة تصميم المساقات لتكون أكثر تفاعلًا ومرونة، خاصة في البيئة الرقمية، وبناء قنوات دعم سريعة وسرية تتيح للطالب طلب المساعدة بثقة ودون شعور بالوصمة.
الجامعة التي تنجح في هذا التوازن، لا تخرّج فقط طلابًا ناجحين، بل أفرادًا قادرين على التكيف، والصمود، والاستمرار. أما الجامعة التي تركز على البعد الأكاديمي فقط، فقد تحقق نتائج على الورق، لكنها تخسر الإنسان.
ربما آن الأوان أن نعيد طرح السؤال بطريقة مختلفة:
ليس ماذا نُدرّس؟
بل كيف يعيش الطالب تجربة التعلم؟
في الإجابة على هذا السؤال، يبدأ التحول الحقيقي.


اضف تعليقك