TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
من التعلم إلى التعافي: حين يصبح البعد النفسي ضرورة تعليمية
22/05/2026 - 11:00am

د. زياد أبو الرُّب
الجامعة الألمانية الأردنية

لم تعد التحديات التي تواجه التعليم العالي اليوم مرتبطة بالمناهج أو التقنيات أو البنية التحتية فقط، بل أصبحت تمتد بصورة متزايدة إلى ما هو أعمق وأكثر حساسية: الإنسان نفسه. فالطالب الذي يدخل قاعة المحاضرة يحمل معه اليوم ضغوطًا نفسية ومعرفية واجتماعية لم تكن بهذا التعقيد من قبل، وعضو هيئة التدريس يعمل في بيئة تتسارع فيها المتطلبات والتغيرات بوتيرة غير مسبوقة، فيما تحاول الجامعات التكيف مع عالم رقمي متحوّل يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة والعمل.

ورغم أن الجامعات تبدو اليوم في قلب هذا النقاش، إلا أن الضغوط النفسية والتشوش المعرفي وتسارع الإيقاع الرقمي لم تعد تقتصر على التعليم العالي وحده، بل أصبحت جزءًا من التحولات التي يعيشها المجتمع بأكمله؛ في سوق العمل، وفي الأسرة، وحتى في العلاقات اليومية. إلا أن الجامعة تبقى المكان الأكثر حساسية تجاه هذه التحولات، لأنها تتعامل مع جيل يتشكل وعيه ومستقبله في الوقت نفسه.

لقد كشفت السنوات الأخيرة، خاصة بعد تجربة التعلم الإلكتروني والتحولات الرقمية المتسارعة، أن العملية التعليمية لا يمكن أن تُختزل في إيصال المحتوى أو تحقيق الساعات الدراسية. فهناك جانب إنساني ونفسي أصبح يؤثر بصورة مباشرة في جودة التعلم، والدافعية، والقدرة على الاستمرار، وحتى في معنى التجربة الجامعية نفسها.

وفي الوقت الذي أتاحت فيه التكنولوجيا فرصًا واسعة للتعلم والوصول إلى المعرفة، فإنها أوجدت أيضًا بيئات عالية التشتت وسريعة الإيقاع. فالطالب اليوم يتلقى كمًا هائلًا من المعلومات والتنبيهات والمقارنات الرقمية المستمرة، ويعيش تحت ضغط الإنجاز السريع والخوف من التأخر عن الآخرين. كما أن التعلم عبر الشاشات، رغم فوائده الكبيرة، قلّل أحيانًا من التفاعل الإنساني المباشر، وأضعف لدى بعض الطلبة الشعور بالانتماء للحياة الجامعية.

ولا يقتصر الأمر على الطلبة فقط. فعضو هيئة التدريس أيضًا يواجه ضغوطًا متزايدة ترتبط بتعدد الأدوار، وتسارع التغيرات التقنية، ومتطلبات الإنتاج الأكاديمي، والتكيف المستمر مع أدوات وأساليب جديدة. وفي كثير من الأحيان، تصبح البيئة الأكاديمية منشغلة بالكفاءة والإنجاز أكثر من اهتمامها بالتوازن الإنساني والاستدامة النفسية.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه التحولات يجب ألا يكون من زاوية التشاؤم أو الخوف، بل من زاوية التطوير وإعادة التوازن. فالجامعات ليست أمام “أزمة مستحيلة”، وإنما أمام فرصة لإعادة التفكير بطريقة أكثر شمولًا وإنسانية في معنى التعليم نفسه.

لقد بدأت جامعات عالمية عديدة بإدماج مفهوم “الرفاه النفسي” ضمن جودة البيئة التعليمية، ليس باعتباره خدمة هامشية، بل عنصرًا أساسيًا في نجاح العملية التعليمية واستدامتها. وتشير تقارير دولية حديثة إلى تزايد الاهتمام عالميًا بالعلاقة بين الصحة النفسية وجودة التعلم والإنتاجية والقدرة على التكيف في البيئات التعليمية الحديثة.

وفي الأردن، تبدو الحاجة إلى هذا التحول أكثر أهمية في ظل مجتمع شاب وسريع التغير، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من ثلث السكان دون سن الخامسة عشرة، وأن متوسط العمر في المجتمع الأردني ما يزال منخفضًا نسبيًا. وهذا يعني أن الجامعات لا تتعامل فقط مع أعداد كبيرة من الشباب، بل مع جيل يعيش تحولات اقتصادية ورقمية ومهنية متسارعة تتطلب أنماطًا جديدة من الدعم والمرونة وبناء المهارات النفسية والاجتماعية.

كما أن التحولات العالمية في سوق العمل لم تعد تركز فقط على المعرفة التخصصية، بل على المرونة، والقدرة على التعلم المستمر، والتكيف، والعمل الجماعي، وإدارة الضغوط. وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن الاقتصادات الحديثة أصبحت أكثر اهتمامًا بمهارات الإنسان وقدرته على التكيف في بيئات العمل المتغيرة، وليس فقط بالشهادات التقليدية.

من هنا، فإن الجامعة الحديثة مطالبة بأن تصبح بيئة تبني الإنسان، لا مجرد مؤسسة تمنحه شهادة. فالتعليم الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الساعات أو الامتحانات أو المحتوى المغطى، بل بقدرة الطالب على الاستمرار، والتفكير، والتكيف، والحفاظ على توازنه النفسي والمعرفي في عالم شديد التغير.

ويمكن للجامعات أن تبدأ بخطوات عملية وهادئة في هذا الاتجاه؛ مثل تعزيز البيئات التعليمية التفاعلية، وتدريب أعضاء هيئة التدريس على فهم المؤشرات المبكرة للضغط النفسي، وإعادة تصميم بعض المساقات لتكون أكثر مرونة وإنسانية، وتوسيع خدمات الإرشاد والدعم النفسي بصورة مهنية تراعي خصوصية الطالب وكرامته. كما أن بناء ثقافة جامعية تقوم على الحوار والانتماء والتوازن قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من أي تقنية حديثة أو منصة رقمية.

وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال الأهم: كيف نُسرّع التعليم؟ بل كيف نجعل الإنسان قادرًا على الاستمرار داخله دون أن يفقد توازنه أو شغفه أو إنسانيته. فالجامعة التي تنجح في المستقبل لن تكون فقط الأكثر رقمية أو سرعة، بل الأكثر قدرة على الجمع بين المعرفة والإنسان، وبين الكفاءة والتوازن، وبين التعلم والتعافي.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)