TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
من تعليم الطوارئ إلى الأمن التعليمي
09/03/2026 - 8:30pm

د. زياد أبو الرُّب
الجامعة الألمانية الأردنية

في أوقات الاستقرار تبدو الجامعات وكأنها تعمل وفق إيقاع ثابت يمكن التنبؤ به: تقويم أكاديمي واضح، محاضرات منتظمة، مختبرات، وامتحانات تتكرر كل فصل دراسي بنمط مألوف. غير أن هذا الإيقاع قد يتغير فجأة عندما تدخل المنطقة في أزمات كبرى. فالتوترات الإقليمية، مثل الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لا تبقى أحداثًا سياسية أو عسكرية بعيدة، بل تمتد آثارها سريعًا إلى تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك التعليم العالي.

فالجامعات ليست مؤسسات معزولة عن محيطها، بل جزء من منظومة اجتماعية واقتصادية واسعة. وحين تتعرض المنطقة لاضطرابات جيوسياسية، تبدأ موجات التأثير بالظهور داخل الحرم الجامعي: قلق اجتماعي، اضطراب في السفر، تعطّل بعض الأنشطة الدولية، وتحديات تنظيمية تمسّ سير العملية التعليمية.

غير أن التحدي الأعمق لا يتعلق بحالات فردية بقدر ما يتعلق بمدى جاهزية النظام الجامعي بأكمله للتعامل مع الظروف الاستثنائية. فالأزمات تكشف بسرعة الفرق بين المؤسسات التي تمتلك خططًا واضحة للاستمرارية الأكاديمية، وتلك التي تضطر إلى اتخاذ قرارات ارتجالية تحت ضغط اللحظة. لذلك أصبح من الضروري أن تمتلك الجامعات خطط طوارئ تعليمية جاهزة للتفعيل، لا تُكتب على الورق فقط، بل يتم التدريب عليها دوريًا كما يحدث في خطط السلامة والطوارئ في القطاعات الحيوية الأخرى.

وجود خطة طوارئ حقيقية يعني أن الجامعة تعرف مسبقًا كيف يمكن أن تنتقل إلى التعليم الإلكتروني عند الحاجة، وما هي المنصات التي ستستخدم، وكيف ستدار المحاضرات، وكيف سيتم تسجيلها وإتاحتها للطلبة، وكيف ستنظم الامتحانات، وكيف سيتم دعم الطلبة الذين قد يواجهون صعوبات تقنية أو لوجستية.

كما يتطلب الاستعداد الحقيقي مراجعة دورية للفجوات في القدرات والبنية التحتية. فالسؤال لم يعد فقط هل يمكن التحول إلى التعليم الإلكتروني، بل هل يمتلك جميع أعضاء هيئة التدريس الأدوات التقنية اللازمة؟ وهل لدى الطلبة إمكانية الوصول إلى الإنترنت والأجهزة المناسبة؟ وهل البنية الرقمية للجامعة قادرة على استيعاب التحول الكامل إلى التعليم عن بعد إذا استدعت الظروف ذلك؟

لكن أثر الأزمات الإقليمية لا يتوقف عند آلية التدريس فقط. فالجامعات اليوم جزء من شبكة دولية واسعة تشمل برامج تبادل طلابي، وشراكات بحثية، ومؤتمرات علمية، وتمويلًا بحثيًا عابرًا للحدود. وفي أوقات التوترات السياسية قد تتأثر حركة الطلبة الدوليين، وتتأخر بعض المشاريع البحثية، وتصبح الجامعات أكثر حذرًا في التعاونات الدولية. كما قد تنعكس الأزمات الاقتصادية المصاحبة للحروب على موازنات الجامعات وقدرتها على الاستثمار في البحث العلمي والتطوير.

وفي مثل هذه اللحظات يصبح من الضروري أن تطرح الجامعات على نفسها مجموعة من الأسئلة الاستراتيجية:
هل لدينا خطة واضحة لاستمرارية التعليم في حال تعطل التعليم الحضوري؟ هل تم تدريب أعضاء هيئة التدريس والطلبة فعليًا على أدوات التعليم الإلكتروني؟ هل نعرف بدقة عدد الطلبة الذين قد يتأثرون بإغلاق الحدود أو تعطّل السفر؟ وهل سياساتنا الأكاديمية مرنة بما يكفي للتعامل مع الحالات الاستثنائية؟

هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بإدارة الأزمة، بل ترتبط بمفهوم أوسع يمكن أسميه الأمن التعليمي. ففي عالم يشهد تزايدًا في الأزمات والصراعات والكوارث غير المتوقعة، يصبح ضمان استمرارية التعليم أحد عناصر الاستقرار المجتمعي. فالجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح الشهادات، بل ركيزة من ركائز استقرار المجتمع وإنتاج المعرفة.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال الحل في التعليم الإلكتروني وحده. فالجامعة في جوهرها فضاء للتفاعل الإنساني والعلمي المباشر، حيث تتشكل الأفكار عبر النقاش والحوار والعمل المشترك في المختبرات والقاعات الدراسية. لذلك فإن النموذج الأكثر واقعية في زمن الأزمات هو التعليم المرن الذي يجمع بين الحضور المباشر والتعلم الرقمي، ويتيح الانتقال بينهما دون تعطيل العملية التعليمية.

إن ما تكشفه التوترات الإقليمية في النهاية ليس هشاشة الجامعات، بل أهمية قدرتها على التكيف. فالجامعة القادرة على إدارة الأزمات بمرونة لا تحافظ فقط على استمرارية التعليم، بل تعزز ثقة المجتمع بدورها كمؤسسة قادرة على حماية المعرفة حتى في أصعب الظروف.

ففي عالم لم يعد الاستقرار فيه أمرًا مضمونًا، لم يعد السؤال كيف تُدرّس الجامعة في الظروف الطبيعية، بل كيف تضمن بقاء المعرفة حيّة عندما يصبح الاستقرار نفسه حدثًا نادرًا.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)