TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
من جامعة الشهادة إلى جامعة المهارة والمعرفة
10/07/2026 - 9:45pm

د. زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية
لم يعد سؤال التعليم العالي في الأردن سؤالاً فنياً يتعلق بعدد الجامعات، أو عدد البرامج، أو عدد المقاعد، أو أسماء التخصصات الجديدة. لقد أصبح سؤالاً وطنياً عميقاً يتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع والاقتصاد والإنسان. فالعالم من حولنا لا ينتظر، والجامعة التي كانت قبل عقود طريقاً مضموناً نحو المكانة والعمل والاستقرار، لم تعد قادرة وحدها، وبصورتها التقليدية، على الوفاء بهذا الوعد ما لم تعيد تعريف دورها ورسالتها وأدواتها.
تشير التقارير العالمية الحديثة إلى أن التعليم العالي يقف اليوم عند نقطة تحول حقيقية. فتقرير اليونسكو حول الاتجاهات العالمية في التعليم العالي يربط مستقبل الجامعات بتحولات كبرى تشمل الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتمويل، والحوكمة، والعدالة، وجودة التعليم، وحراك الطلبة، والاعتراف بالمؤهلات. كما يذكر التقرير أن عدد طلبة التعليم العالي عالمياً وصل إلى نحو 269 مليون طالب في عام 2024، بعد أن كان نحو 100 مليون عام 2000، وهو توسع كبير لا يخفي بقاء فجوات عميقة في الوصول والإنصاف والجودة والإكمال.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لم تعد المشكلة في العالم، ولا في الأردن وحده، هي كيف نزيد أعداد الملتحقين بالتعليم العالي فحسب، بل كيف نضمن أن ما يتعلمه الطالب داخل الجامعة يتحول إلى معرفة حقيقية، ومهارة قابلة للتطبيق، وقدرة على التفكير والعمل والتكيف. فالشهادة الجامعية، حين تنفصل عن المهارة، تصبح وثيقة إدارية أكثر منها قيمة معرفية. والبرنامج الأكاديمي، حين ينفصل عن سوق العمل والمجتمع والبحث والابتكار، يصبح مساراً طويلاً لإنتاج خريج مرتبك، يعرف كثيراً من العناوين، لكنه لا يمتلك دائماً القدرة على تحويلها إلى أثر.
تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 يضع الإصبع على هذه النقطة حين يشير إلى أن الحصول على مؤهل جامعي لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات قوية، وأن عدداً من خريجي التعليم العالي في بعض الدول لا يصلون إلى المستوى الأساسي في بعض مهارات القراءة والفهم، وهو ما يذكّرنا بأن التوسع الكمي لا يكفي إن لم تصاحبه جودة حقيقية وملاءمة وقياس للأثر. كما يشير التقرير إلى أهمية الخيارات التعليمية الأكثر مرونة، ومنها البرامج الأقصر والشهادات المصغرة، في الاستجابة لتنوع حاجات المتعلمين وسوق العمل.
ومن هنا، فإن تطوير التعليم العالي الأردني لا ينبغي أن يبقى محصوراً في تعديلات متفرقة على الخطط الدراسية، أو فتح تخصص هنا وإغلاق آخر هناك، أو تغيير أسماء البرامج لتبدو أكثر حداثة. المطلوب أعمق من ذلك بكثير. المطلوب رؤية وطنية متكاملة تنقل الجامعة من منطق الشهادة إلى منطق المهارة والمعرفة والأثر. رؤية تبدأ من سؤال بسيط وصعب في آن واحد: أي خريج نريد للأردن خلال السنوات العشر القادمة؟
نريد خريجاً لا يحفظ فقط، بل يفكر. لا ينتظر الوظيفة فقط، بل يصنع فرصة. لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة للغش أو الاختصار، بل كأداة للتعلم والإنتاج والتحليل. لا يرى الجامعة محطة مؤقتة للحصول على ورقة شهادة، بل مساحة لتكوين العقل والشخصية والمهارة والوعي. وهذا التحول لا يحدث بالخطاب وحده، بل يحتاج إلى إعادة بناء حقيقية في فلسفة البرامج، وأساليب التدريس، وآليات التقييم، وعلاقة الجامعة بسوق العمل، ودور الأستاذ الجامعي، ونظم ضمان الجودة، وتمويل الجامعات.
لقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العملية التعليمية، سواء اعترفنا بذلك أم حاولنا تجاهله. فالطالب يستخدمه، والأستاذ يستخدمه، والباحث يستخدمه، وسوق العمل يعيد ترتيب مهاراته بناء عليه. تقرير EDUCAUSE Horizon لعام 2025 يضع أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتعلم، وتطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والمحو الرقمي النقدي ضمن أبرز التقنيات والممارسات المؤثرة في مستقبل التعليم العالي. وهذا يعني أن الجامعة التي لا تبني سياسة واضحة للذكاء الاصطناعي ستجد نفسها أمام استخدام عشوائي، ومخاطر أكاديمية وأخلاقية، وفجوة متسعة بين ما يحدث داخل القاعة الصفية وما يحدث خارجها.
لكن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الجامعة، بل اختبار جديد لمعناها. فإذا كانت الجامعة مجرد مكان لنقل المعلومات، فإن الذكاء الاصطناعي سيتفوق عليها في السرعة والسعة. أما إذا كانت الجامعة مكاناً لبناء التفكير النقدي، والحكم الأخلاقي، والبحث المنهجي، والعمل الجماعي، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، فإن الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة في يد الجامعة لا تهديداً لها.
وفي الأردن، لا يمكن فصل هذا النقاش عن سؤال سوق العمل. البطالة بين الخريجين، وضعف المواءمة بين بعض التخصصات والفرص، وتضخم البرامج المتشابهة، وضعف التدريب العملي، كلها مؤشرات لا يجوز التعامل معها كأرقام عابرة. لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن نحول الجامعة إلى مركز تدريب وظيفي ضيق. فالجامعة ليست مكتب تشغيل، وليست مصنعاً لإنتاج مهارات آنية قصيرة العمر، بل مؤسسة تبني الإنسان القادر على التعلم المستمر. المطلوب إذن ليس إخضاع الجامعة للسوق، بل بناء علاقة ناضجة معه، علاقة تجعل السوق شريكاً في فهم التحولات، وتجعل الجامعة أكثر قدرة على إعداد خريج يمتلك أساساً معرفياً عميقاً ومهارات قابلة للتجدد.
وهنا تبرز أهمية الشهادات المصغرة والتعلم مدى الحياة. فزمن الحصول على شهادة واحدة تكفي لعمر مهني كامل يقترب من نهايته. الخريج سيحتاج إلى تحديث مستمر لمهاراته، والموظف سيحتاج إلى إعادة تأهيل، والجامعة ستحتاج إلى أن تفتح أبوابها ليس فقط لمن هم في عمر الثامنة عشرة، بل لكل من يحتاج إلى تعلم جديد في عمر الثلاثين والأربعين والخمسين. وهذا التحول يتطلب أن تصبح الجامعات الأردنية منصات تعلم مستمر، لا مؤسسات تمنح الدرجة مرة واحدة ثم تنتهي علاقتها بخريجيها.
أما الحوكمة وضمان الجودة والتمويل، فهي ليست تفاصيل إدارية جانبية، بل هي قلب الإصلاح. لا يمكن أن نطلب من الجامعات أن تكون مبتكرة ومرنة ومنافسة إذا كانت مقيدة بأنظمة بطيئة، أو ممولة بمنطق لا يكافئ الجودة، أو مقيمة بمؤشرات شكلية لا تقيس أثر التعلم الحقيقي. الجودة ليست عدد أوراق، والاعتماد ليس مجرد ملف، والحوكمة ليست اجتماعات ولجاناً. الجودة الحقيقية تظهر في عقل الخريج، وفي قدرة البرنامج على التطور، وفي نزاهة التقييم، وفي قوة البحث، وفي ثقة المجتمع بالخريجين.
كما أن التمويل يجب أن ينتقل من منطق سد العجز إلى منطق الاستثمار في المستقبل. فالجامعة التي لا تمتلك موارد كافية لتحديث مختبراتها، وتدريب أساتذتها، وتطوير بنيتها الرقمية، ودعم بحثها العلمي، لن تستطيع أن تنافس في عالم تتحرك فيه الجامعات بسرعة غير مسبوقة. لكن التمويل أيضاً يجب أن يرتبط بالأداء والأثر، لا بالأعداد فقط. نحتاج إلى تمويل يشجع البرامج ذات الجودة، والبحث المرتبط بالأولويات الوطنية، والشراكات مع الصناعة، والمبادرات التي تعزز فرص الطلبة وتخدم المجتمع.
ومن دون بحث علمي وابتكار، تفقد الجامعة جزءاً أساسياً من هويتها. فالتعليم العالي لا يكتمل بإنتاج خريجين فقط، بل بإنتاج معرفة وحلول. تقرير مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 يذكّر بأن الابتكار أصبح في مفترق طرق عالمي، وأن منظومات الابتكار تقاس من خلال رأس المال البشري والبحث، والبنية التحتية، ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا، والقدرة على تحويل الأفكار إلى قيمة. وقد جاء الأردن في التقرير ضمن الاقتصادات التي تؤدي فوق المتوقع مقارنة بمستوى تطورها، وهي إشارة مهمة إلى وجود قابلية يمكن البناء عليها إذا توفرت السياسات المناسبة والبيئة الداعمة.
لذلك، فإن التعليم العالي الأردني يحتاج إلى مشروع وطني واضح خلال السنوات الخمس القادمة، لا إلى مبادرات متناثرة. مشروع يبدأ بمراجعة جريئة للتخصصات والبرامج، لا بهدف الإلغاء السريع، بل بهدف إعادة التصميم. مشروع يربط كل برنامج جامعي بمهارات مستقبلية واضحة، وبتدريب عملي حقيقي، وبأدوات رقمية وذكاء اصطناعي، وبمسارات تعلم مرنة، وبمؤشرات جودة تقيس ما يتعلمه الطالب فعلاً. مشروع يعيد الاعتبار للأستاذ الجامعي بوصفه محور التطوير، لا مجرد منفذ لمساقات مثقلة. ومشروع يجعل الطالب شريكاً في التعلم، لا متلقياً ينتظر الامتحان.
هذه الرؤية لا تبدأ من الصفر. في الأردن جامعات عريقة، وخبرات أكاديمية كبيرة، وتشريعات قابلة للتطوير، ومؤسسات وطنية معنية بالاعتماد والجودة، وقطاع خاص يحتاج إلى كفاءات حقيقية، وشباب يملكون طاقة عالية إذا وجدوا تعليماً يفتح أمامهم الأفق. لكن الخطر أن نستمر في إدارة التفاصيل ونؤجل سؤال الاتجاه. أن ننشغل بعدد البرامج وننسى نوعيتها، أن نحتفل بعدد الخريجين ونغفل عن جاهزيتهم، أن نطارد التصنيفات وننسى أثر الجامعة في الإنسان والمجتمع.
التعليم العالي الأردني يحتاج اليوم إلى شجاعة هادئة. شجاعة تعترف بأن بعض ما نفعله لم يعد كافياً. وشجاعة تقول إن المستقبل لا يصنع بالخطط الورقية وحدها، بل بقرارات واضحة، ومساءلة ذكية، وشراكات حقيقية، وقيادة تؤمن أن الجامعة ليست عبئاً على الدولة، بل أحد أهم استثماراتها.
إن الانتقال من جامعة الشهادة إلى جامعة المهارة والمعرفة ليس شعاراً بل ضرورة. وهو انتقال لا يلغي قيمة الشهادة، بل يعيد إليها معناها. فالشهادة ينبغي أن تكون دليلاً على معرفة عميقة، ومهارة ناضجة، وتجربة تعلم حقيقية، وقدرة على خدمة المجتمع. أما حين تنفصل الشهادة عن ذلك كله، فإنها تفقد قيمتها ولو بقي اسمها محفوظاً في الملفات.
في النهاية، ليست الجامعة مبنى، ولا خطة دراسية، ولا شهادة معلقة على الجدار. الجامعة وعد اجتماعي ومعرفي بأن يكون الغد أفضل من اليوم. وإذا أردنا لتعليمنا العالي أن يحمل هذا الوعد بجدية، فعلينا أن نعيد بناءه حول الإنسان، لا حول الورقة، وحول المعرفة، لا حول المظهر، وحول المهارة، لا حول العنوان. فالأمم لا تتقدم بعدد الشهادات التي تمنحها، بل بنوعية العقول التي تبنيها، وبقدرة جامعاتها على تحويل المعرفة إلى كرامة وفرصة ومستقبل.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)