
ا.د. محمد القضاة
زرتُ مزرعة الجامعة الأردنية منذ ثماني سنوات، وها أنا أعود اليوم إليها، لأجد الأرض أكثر عمقًا، والخضرة أكثر رسوخًا، والسكينة أوسع وأعمق من أي وقت مضى. الأرض هنا تتنفس ببطء، وتهمس بأسرار الحياة التي لا تنتهي، قصة الصبر والإنبات والعمل الدؤوب.
كل شجرة، وكل نبتة، وكل درب ترابي يحمل ذاكرةً، وكل نسيم يمر بين الأوراق يروي حكاية استمرار، وكأن الزمن نفسه توقّف للحظة، لينحني أمام دفء التربة وطمأنينة المشهد.
في الزراعة سكون يشبه الصلاة، وفي مزرعة الجامعة جمال هادئ لا يرفع صوته، لكنه يبلغ الروح قبل العين.
منذ عام 1975، بدأت الجامعة الأردنية تزرع الفكرة قبل البذرة، وتخلق من الأرض مختبرًا للحياة، ومن الإنسان شريكًا في العطاء، ولا تزال هذه المزرعة تنشئ أجيالًا من طلبة كلية الزراعة، يؤمنون بأن الزراعة ليست مهنة حسب، وانما رسالة، وأداة حقيقية للتنمية والحياة الصادقة، ورافعة لمواجهة الفقر والجوع والبطالة.
والمزارع هنا شاهد حي على دورة الحياة؛ يزرع ويعتني ويصنع الجمال، ويمنح الأرض وجهاً أخضر يسرّ العين ويطمئن القلب.
وكان يومنا هناك في صحبة معالي رئيس الجامعة الأردنية، ونوابه، والعمداء، وعدد من العلماء والزملاء والعاملين في المحطة، بدعوة كريمة من عميدة كلية الزراعة، التي نقدم لها شكرًا خاصًا على كرم الضيافة وحسن الاستقبال. كما نتوجه بالشكر للفريق العامل في المحطة، الذي يعمل بمهنية عالية واحترافية نادرة، ما يؤكد أن الجامعة تمتلك كوادر مؤهلة وخبرات كبيرة وهائلة. وتزامنت الزيارة مع انعقاد مجلس العمداء في رحاب المزرعة، مشهد يذكّرنا بأن القرار حين يخرج من القاعة إلى الحقل يصبح أقرب للحياة، وأكثر عمقًا في أثره.
كان يومًا تمشي فيه الحياة بخطى هادئة؛ التربة تعانق الخضرة، والعلم ينزل من الكتب إلى الأرض، والمعرفة تتحول إلى فعل. بين مشاريع الطلبة والوحدات الزراعية، تعرف أن البساطة ليست فراغًا، بل نقاء، وأن العمل الزراعي يعيد للروح توازنها، ويعيد للإنسان إحساسه الأصيل بالعالم.
وبين الأشجار والأزهار، يخفّ صخب العالم، ويأخذك الصمت بلطف؛ الأرض هنا رفيقة قديمة، تمنح بلا حساب، وتحتوي تعب الإنسان بصبر، وتعلمه أن العطاء لا ينضب. هناك، وأنت تلمس بيدك ثمار العمل، تجد فرحة صادقة، وحياة تتجسد في كل نبات وكل حيوان، وحب الأرض يصبح فعلًا يوميًا متجذرًا في الروح.
المزرعة تؤدي دورها العلمي بهدوء؛ تدريس، وتدريب، وبحث، حيث تُقاس النتائج وتُختبر الجودة، وتُفتح أبواب المعرفة أمام المجتمع المحلي من خلال أيام إرشادية ومشاهدات ميدانية، لتصل الجامعة بالحقول، ويصير العلم جسراً بين الإنسان والأرض.
كما أن الإنتاج الزراعي والحيواني ينبض بالحياة؛ حليب يُنتج ويُصنّع، دواجن تربّى تحت إشراف الطلبة، وثمر وفاكهة وخضروات وأعلاف خضراء تنضج ببطء لتشق طريقها إلى الأسواق والجامعة والمحطة. كل هذا يجعل الأرض هنا شاعرًا صامتًا، وكل إنتاج لوحة حية، وكل لحظة في المزرعة قصيدة تهمس للروح.
وفي المزرعة، لا يعلو على صفاء المكان صوت سوى زقزقة العصافير، ولا لون يسبق خضرة الأرض، ولا طعم أنقى من ثمار خرجت من أرض عُرفت قيمتها. هنا تدرك أن الصحبة بين الإنسان والتراب صحبة صادقة قديمة، لا تخذل، وأن الحياة ببساطتها ومقدارها الحقيقي تكمن في الأرض والعمل والحب الذي يُثمر.
ولا يكتمل اليوم دون استحضار الجلسة الجادة لمجلس العمداء، التي امتدت لساعات من نقاش المسؤولية والرؤية، لتؤكد أن العمل المؤسسي، حين يقترن بالرؤية والميدان، يصبح أكثر رسوخًا وأبعد أثرًا. وإن كانت من تحية، فهي للجامعة الأردنية التي ترعى هذه المزرعة بعناية ودعم، ولكلية الزراعة التي تمضي في تنفيذ خططها بعلم وحصافة وجدّ، وللعاملين في المحطة على كرمهم وصدق استقبالهم، الذين يجعلون من المكان شعلة حياة وعطاء.


اضف تعليقك