
طلبة نيوز- د. زياد أبو الرُّب - الجامعة الألمانية الأردنية
لم يعد التعليم في الأردن بمنأى عن التحولات العاصفة التي تعيشها المنطقة. فالتوترات السياسية والأمنية المتكررة، وتبدل موازين الاستقرار في الإقليم، لم تعد أحداثًا عابرة في نشرات الأخبار، بل عوامل مباشرة تؤثر في إيقاع الحياة اليومية، وفي مقدمتها التعليم الجامعي والمدرسي. وفي كل مرة تهتز فيها المنطقة، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل نظامنا التعليمي جاهز للاستمرار؟ وهل نملك بدائل حقيقية تضمن حق التعلم دون انقطاع؟
خلال السنوات الماضية، اكتسب التعليم الأونلاين حضورًا متزايدًا في الخطاب التربوي، لا بوصفه خيارًا ترفيًا أو مؤقتًا، بل كأحد أعمدة الاستدامة التعليمية في عالم غير مستقر. إلا أن الفرق بين امتلاك المنصات، والجاهزية الفعلية للتحول الرقمي، ما يزال كبيرًا. فالتجربة أثبتت أن الانتقال السريع إلى التعليم عن بُعد في لحظات الأزمات غالبًا ما يتم كردّ فعل، لا كخيار استراتيجي مخطط له.
التوترات الإقليمية تضع التعليم أمام اختبار مزدوج: اختبار الاستمرارية، واختبار الجودة. فالتحول إلى الأونلاين لا يعني فقط نقل المحاضرة من القاعة إلى الشاشة، بل إعادة التفكير في فلسفة التدريس، وأدوار الأستاذ، ومسؤولية الطالب، وأدوات التقييم، ومعايير النزاهة الأكاديمية. وعندما يحدث هذا التحول تحت ضغط الأزمة، تصبح المخاطر مضاعفة، وتظهر الفجوات بشكل أوضح.
في الأردن، لا يمكن إنكار أن البنية التحتية الرقمية شهدت تحسنًا ملحوظًا، وأن الجامعات راكمت خبرة مهمة منذ جائحة كورونا. لكن الجاهزية لا تقاس بالتجربة السابقة فقط، بل بقدرتنا على التعلم منها وتحويلها إلى سياسات واضحة، وخطط مرنة، وسيناريوهات جاهزة للتفعيل عند الحاجة. فالتحول الرقمي الحقيقي هو ما يكون مخططًا له في أوقات الهدوء، لا المرتجل في أوقات الاضطراب.
أحد التحديات الجوهرية يتمثل في العدالة التعليمية. فالتوترات السياسية غالبًا ما تترافق مع ضغوط اقتصادية، ما ينعكس على قدرة الطلبة على الوصول المتكافئ للتعليم الأونلاين. ضعف الإنترنت، محدودية الأجهزة، والبيئة المنزلية غير الملائمة للتعلم، كلها عوامل قد تعمّق الفجوة بدل أن تقلصها. من هنا، يصبح التحول الرقمي مسؤولية اجتماعية، لا تقنية فقط.
كما أن عضو هيئة التدريس يجد نفسه في قلب هذا التحول. فالمطلوب لم يعد مجرد إتقان أداة رقمية، بل امتلاك عقلية تعليمية جديدة، قادرة على تصميم تجربة تعلم تفاعلية، تحافظ على العمق الأكاديمي، وتراعي الخصوصية الإنسانية للطالب في زمن القلق وعدم اليقين. وهذا يتطلب تدريبًا مستمرًا، ودعمًا مؤسسيًا، وثقافة جامعية تؤمن بأن التعليم الأونلاين ليس خصمًا للتعليم الوجاهي، بل مكمّلًا ذكيًا له.
في ظل توترات المنطقة، يصبح التعليم الهجين خيارًا واقعيًا ومتوازنًا. فهو لا يراهن على سيناريو واحد، ولا يضع كل أوراقه في سلة واحدة. بل يمنح النظام التعليمي قدرة أعلى على التكيف، ويقلل من كلفة الانقطاع، ويحافظ على تماسك العملية التعليمية مهما تبدلت الظروف.
الخلاصة أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سنضطر للتحول إلى التعليم الأونلاين؟ بل: هل نريد أن يكون هذا التحول مدروسًا أم مفروضًا؟ الفارق بين الاثنين هو الفارق بين تعليم يصمد، وتعليم يتعثر. وفي منطقة لا تزال التوترات فيها مرشحة للاستمرار، فإن الاستثمار في الجاهزية الرقمية للتعليم لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية تمس مستقبل الأجيال واستقرار المجتمع ككل.


Add new comment